جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

تعليم

​«سر الطين الاستراتيجي: كنز البنتونيت وتطبيقاته التي لا تستغني عنها الصناعة الحديثة»

البنتونيت: معدن استراتيجي متعدد الاستخدامات في الصناعة والزراعة والبيئة بقلم ا.د. أيمن الشرقاوي يُعد البنتونيت (Bentonite) أحد أهم المعادن الصناعية الطبيعية في العالم، وهو عبارة عن طين غني بمعادن المونتموريللونيت (Montmorillonite)، يتميز بقدرته العالية على امتصاص الماء والانتفاخ والتبادل الأيوني، مما جعله مادة أساسية في عشرات الصناعات الحديثة.ويُصنف البنتونيت غالبًا إلى نوعين رئيسيين: بنتونيت الصوديوم (Sodium Bentonite): يمتاز بقدرة كبيرة على الانتفاخ وامتصاص الماء. بنتونيت الكالسيوم (Calcium Bentonite): أقل انتفاخًا ويستخدم بكثرة في التطبيقات الزراعية والصناعات الغذائية بعد المعالجة المناسبة.أولاً: استخدامات البنتونيت في الصناعةصناعة النفط والغاز يُستخدم البنتونيت كمكون رئيسي في سوائل حفر الآبار، حيث يعمل على تبريد رأس الحفر، وحمل نواتج الحفر إلى السطح، وتثبيت جدران البئر، وتقليل فقدان السوائل داخل التكوينات الجيولوجية.صناعة المسابك يُستخدم كرابط طبيعي للرمال في قوالب صب المعادن، لما يتمتع به من قوة تماسك عالية، ومقاومة حرارية جيدة، وتحسين جودة سطح المسبوكات.صناعة الأسمنت والخرسانة يدخل في بعض التركيبات لتحسين مقاومة النفاذية، والاحتفاظ بالماء، وبعض الخصائص الريولوجية للملاط، ولا يُستخدم عادةً كبديل مباشر للأسمنت بل كمادة مضافة في تطبيقات محددة.العزل المائي يُستخدم في تصنيع بطانات مدافن النفايات، وحواجز المياه الجوفية، وأنظمة العزل تحت الأساسات، والبرك والخزانات، إذ ينتفخ عند ملامسة الماء مكونًا حاجزًا منخفض النفاذية.صناعة السيراميك والفخار يساعد على تحسين اللدونة، وزيادة قوة القطعة قبل الحرق، وتحسين التجانس.صناعة الورق يستخدم كحشو معدني ومحسن لخصائص الورق، حيث يزيد من البياض والنعومة ويحسن قابلية الطباعة.الدهانات والطلاءات يدخل كمادة مضافة لتحسين ثبات المعلقات، ومنع الترسيب، والتحكم في اللزوجة.المطاط والبلاستيك يستخدم كمادة مالئة لتحسين الخواص الميكانيكية، ومقاومة التآكل، وثبات الأبعاد.الصناعات الكيميائية يدخل في تصنيع الحفازات، وامتصاص الشوائب، وتنقية بعض المواد الكيميائية.ثانياً: استخدامات البنتونيت في الزراعةيُعد البنتونيت من المعادن الواعدة في تحسين خواص التربة، خاصة في البيئات الجافة، حيث يساعد على زيادة قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء، وتقليل فقد العناصر الغذائية بالغسيل، وتحسين السعة التبادلية الكاتيونية (CEC)، وتحسين بناء التربة الرملية، ورفع كفاءة استخدام الأسمدة، وتقليل إجهاد الجفاف، وتحسين نمو الجذور في بعض الظروف. وتختلف النتائج باختلاف نوع التربة ونوع البنتونيت ومعدل الإضافة.إضافته للأسمدة يستخدم في تصنيع الأسمدة بطيئة الإطلاق، وتثبيت العناصر الغذائية، وتقليل فقد النيتروجين والبوتاسيوم.أعلاف الحيوانات بعد استيفاء المواصفات التنظيمية، يستخدم بكميات محددة للمساعدة في ربط بعض السموم الفطرية، وتحسين تماسك الحبيبات، وتقليل الرطوبة.ثالثاً: الاستخدامات البيئيةيلعب البنتونيت دورًا مهمًا في حماية البيئة، حيث يستخدم في إزالة المعادن الثقيلة من المياه، ومعالجة مياه الصرف الصناعي، واحتواء الملوثات، وبطانات مدافن النفايات، والحواجز الجيوتقنية.رابعاً: الاستخدامات الطبية والصيدلانيةتستخدم أنواع عالية النقاء من البنتونيت في بعض التطبيقات الصيدلانية ومستحضرات التجميل، مثل المواد الماصة، والأقنعة الطينية، وبعض المستحضرات الجلدية. ولا ينبغي استخدام أي بنتونيت للاستهلاك البشري إلا إذا كان مخصصًا لذلك وفق المواصفات الدوائية.خامساً: الاستخدامات الغذائيةيستخدم في بعض الصناعات الغذائية كمادة مساعدة في الترشيح والتنقية، مثل تنقية الزيوت وإزالة الشوائب من بعض المشروبات، بشرط أن يكون مطابقًا للمواصفات الغذائية المعتمدة.سادساً: التطبيقات الحديثةتتجه الأبحاث الحديثة إلى استخدام البنتونيت في المواد النانوية المركبة، وإزالة الملوثات العضوية، وامتصاص الأصباغ الصناعية، واحتجاز ثاني أكسيد الكربون، وأغشية معالجة المياه، والمواد الذكية، وتحسين أداء البوليمرات.أهم خصائص البنتونيت• قدرة عالية على الانتفاخ. • مساحة سطحية كبيرة. • قدرة مرتفعة على الامتصاص. • سعة تبادل أيوني مرتفعة. • تكلفة منخفضة نسبيًا. • توافر طبيعي واسع.الخلاصةيمثل البنتونيت أحد أهم المعادن الصناعية الاستراتيجية بفضل خصائصه الفيزيائية والكيميائية الفريدة. وتتوزع استخداماته بين صناعات النفط، والمسابك، والسيراميك، والدهانات، والورق، والعزل المائي، والزراعة، والبيئة، والصناعات الكيميائية، مع استمرار الأبحاث لتطوير تطبيقات أكثر تقدمًا في تقنيات النانو، ومعالجة المياه، والمواد المركبة.مراجع علمية مختارة1. Murray HH. Applied Clay Mineralogy. Elsevier, 2007. DOI: 10.1016/B978-0-444-51701-2.X5000-32. Christidis GE. Industrial applications of bentonite. Applied Clay Science. DOI: 10.1016/j.clay.2011.06.0163. Bergaya F, Lagaly G. Handbook of Clay Science. DOI: 10.1016/B978-0-08-098258-8.00001-84. Bhattacharyya KG, Gupta SS. Adsorption of heavy metals on clays. Advances in Colloid and Interface Science. DOI: 10.1016/j.cis.2007.12.0085. Uddin MK. A review on the adsorption of heavy metals by clay minerals. Chemical Engineering Journal. DOI: 10.1016/j.cej.2016.09.029

Uncategorized

​القصص الخفية وراء الحضارات.. الكاتب الهولندي روبرت بريدجمان يكشف أسرار شغفه بمصر في حوار خاص

القصص الخفية وراء الحضارات للاديب الهولندى روبرت بريدجمان بقلم أمل هلال عندما تراه اول مرة تشعر وكأنك تعرفه ذلك الوجه البشوش مصافحا يداك بقوة وسرعان ما تتحول لصديق له فى رحلة امتزجت الدهشة بالمعرفة والشغف وسحر الحضارة بين عظمة الأهرامات واروقة المعابد ودفء الشوارع عاش تجربة رحلته الاولى تجربة تستحق ان تروى لتصبح مصدر جديد فى مسيرته الأدبية فى هذا المقال سنتعرف عليه وسيروى لنا شغفه بحضارة مصر وتاريخها ورحلته الى ارض الكنانة انه الكاتب المفكر العالمي الهولندي روبرتكان لى معه هذا الحوار1. من هو روبرت بريدجمان؟أنا مؤلف هولندي وكاتب عمود ومتحدث وزوج وأب ومرشد / مدرب مع سحر مدى الحياة بالتاريخ وعلم النفس والروحانية والقصص الخفية وراء الحضارات. تجمع كتبي بين المغامرة والأسرار التاريخية والأسئلة العميقة حول الوعي البشري. قبل كل شيء، آمل أن ألهم الناس للنظر إلى ما وراء المظاهر والبقاء فضوليين.2. كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟ ما هي الصعوبات التي واجهتها، وكيف تغلبت عليها؟بدأت الكتابة في عام 2011 لأنني كنت دائماً مفتوناً بالقصص التي تجعل الناس يفكرون. كتابة كتاب هو ماراثون، وليس سباقاً سريعاً. التحدي الأكبر هو البقاء ملتزماً من خلال آلاف الصفحات والمراجعات التي لا نهاية لها. تعلمت أن الانضباط لا يقل أهمية عن الإلهام والبحث. يبدأ الإلهام كتاباً، ويملأه البحث وتنهيه المثابرة.3. ما الكتاب الذي ألهمك لتصبح كاتباً؟لم يكن هناك كتاب واحد. لقد استلهمت من مؤلفين مثل غابرييل غارسيا ماركيز وجورج أورويل ودان براون، الذين يجمعون بين التاريخ والغموض والمغامرة بطريقة تأسر ملايين القراء. أظهروا لي أن الرواية يمكن أن تسلي مع تشجيع القراء أيضاً على استكشاف التاريخ بأنفسهم.4. من هو الشخص الذي يدعمك؟بلا شك، عائلتي وزوجتي مونيك وثلاثة أبناء. لقد دعموا كل خطوة من هذه الرحلة. غالباً ما تتطلب الكتابة فترات طويلة من العزلة، ووجود أشخاص يؤمنون بحلمك يحدث فرقاً كبيراً.5. هل كنت تتوقع الوصول إلى حيث أنت الآن؟لطالما حلمت بأن أصبح مؤلفاً معترفاً به، لكنني لم أعتبر ذلك أمراً مفروغاً منه أبداً. كل معلم يبدو وكأنه امتياز. النجاح هو شيء تكسبه قارئاً واحداً في كل مرة.6. صف يوماً نموذجياً في حياتك ككاتب.لا يوجد يومان متشابهان تماماً. تبدأ بعض الصباحات بالبحث، والبعض الآخر بكتابة آلاف الكلمات. أقضي الكثير من الوقت في دراسة التاريخ وعلم الآثار والروحانية والعلوم وعلم النفس لأن الأصالة ضرورية في رواياتي. أنا أيضاً صانع أفلام وثائقية ورجل أعمال ومرشد للعملاء. لذلك أقسم وقت عملي بين شركتي والتصوير والتدريب والكتابة.7. ما هو التعليق الأكثر تأثيراً الذي تلقيته من القارئ؟المجاملة الأكثر أهمية هي عندما يقول لي شخص ما، “كتابك جعلني أنظر إلى العالم بشكل مختلف”. هذا أكثر قيمة من مجرد سماع أن القصة كانت مثيرة.8. ما هي الرسالة التي تريد الوصول إليها لقرائك؟لا تفقد فضولك أبداً. اطرح الأسئلة، وفكر بشكل مستقل، ولا تتوقف أبداً عن التعلم. لا يزال العالم مليئاً بالأسرار التي تنتظر استكشافها.9. هل تعمل حالياً على شيء جديد؟نعم. أعمل حالياً على فيلم إثارة دولي جديد يجمع بين الحضارات القديمة وعلم الآثار والغموض القديم وأحد أعظم الألغاز التي لم يتم حلها في التاريخ. أوصلتني الأبحاث لهذه الرواية إلى مصر، حيث تحدث العديد من المشاهد المهمة.10. ما الهدف الذي لم تحققه بعد؟آمل أن أرى رواياتي مترجمة إلى العديد من اللغات ويتم تحويلها في نهاية المطاف إلى فيلم أو مسلسل تلفزيوني دولي. أود أن أقدم للقراء في جميع أنحاء العالم القصص التي تربط التاريخ والغموض والمغامرة.11. كيف تؤثر ثقافتك الوطنية على أعمالك الأدبية؟لدى هولندا تقليد طويل من الاستكشاف والتجارة والتعاون الدولي، علمني النمو في تلك البيئة النظر إلى ما وراء الحدود وتقدير الثقافات المختلفة. هذا الانفتاح يجد طريقه بشكل طبيعي إلى كتاباتي. علمتني أيضاً كيف يرقص النور والظلام معاً.12. ما هي القضايا التي تهمك وتنعكس في كتاباتك؟أنا مفتون بالعلاقة بين العلم والروحانية والتاريخ وعلم الآثار والوعي البشري. تستكشف قصصي كيف أن المعرفة المنسية من الماضي قد لا تزال تشكل مستقبلنا. في الوقت نفسه، يحتفلون بالتعاون بين أشخاص من ثقافات مختلفة.13. كيف ترى أن السفر إلى مجتمعات مختلفة يؤثر على كتاباتك؟السفر يغير كل شيء. لا يمكنك حقاً وصف مكان حتى تمشي في شوارعه، وتتحدث إلى شعبه، وتشم رائحة نكهاته وتختبر جوه. كل رحلة تضيف الأصالة والعاطفة إلى قصصي.14. ما هي الأماكن الأكثر حباً لقلبك؟مصر بالتأكيد واحدة منهم. أحب أيضاً بلاد ما بين النهرين وجبال البرانس والأماكن التي يجتمع فيها التاريخ والروحانية. هذه هي المواقع التي تثير خيالي.15. كيف كان شعورك عندما سافرت إلى مصر؟شعرت وكأنني دخلت صفحات التاريخ. لقد استرشدنا ببراعة من قبل هاني درويش وفريقه. كانت زيارة الهرم الأكبر بشكل خاص، والمشي عبر وادي الملوك، والوقوف داخل معبد دندرة تجارب لا تنسى. تمتلك مصر طاقة فريدة لا يمكن التقاطها في الصور وحدها – عليك تجربتها.16. صف مصر والمصريين في سطر واحد.حضارة خالدة مع أشخاص دافئين يحافظون بفخر على أحد أعظم إرث البشرية.17. ما هو المكان في مصر الذي ترغب في زيارته ولكن لم يكن لديك وقت له، ومن ستختار كرفيق للرحلة؟أود استكشاف سقارة. سأختار عائلتي و/أو أصدقائي المقربين للانضمام إلي لأن مشاركة التجارب الاستثنائية تجعلهم أكثر فائدة.18. ما الذي فاجأك أكثر في مصر – مكان أم الناس؟كلاهما. الآثار أكثر إثارة للإعجاب بكثير مما يمكن لأي كاميرا أن تنقله، ولكن أكثر ما فاجأني هو لطف الشعب المصري وكرم ضيافته. لقد جعلونا نشعر بالترحيب الحقيقي والأمان.19. إذا أتيحت لك الفرصة لكتابة رسالة من سطر واحد للعالم، فماذا ستكتب؟”أعظم الاكتشافات ليست مخفية تحت الأرض فحسب – بل هي مخبأة داخل أنفسنا.”20. كم عدد الكتب التي قمت بتأليفها، وأيها الأقرب إلى قلبك؟لقد كتبت أربعة عشر كتاباً. أحدث أفلامي المثيرة قريبة بشكل خاص من قلبي لأنها تجمع بين سنوات من البحث وشغفي بالحضارات القديمة والتجارب الروحية التي لا تنسى من رحلاتي عبر مصرتتضمن بعض كتبي* 2044، فيلم إثارة روحي عن مستقبل بائس. * الكاثار الأخير، يستكشف تاريخ وغموض الكاثار. * سر الموظفين السحريين، مغامرة الشباب مستوحاة من تحوت ومصر القديمة. * أحدث روايتي، لغز أتلانتس، فيلم أثري عن غوبيكلي تيبي وأتلانتس وأنتاركتيكا وإمكانية فقدان الحضارات. إلى جانب الروايات كتبت أيضا العديد من الكتب غير الخيالية عن الروحانية والتأمل وشفاء الصدمات والوعيالخاتمة..لطالما كانت مصر ومازالت حضارة نابضة بالحياة انها ارض الامن والامانتستقبل زائريها من كل بقاع الارض وتحتويهم لتترك فى قلوبهم ذكرى لا تنسى . انها مصر

تعليم

لماذا حصل الدكتور أحمد زويل على جائزة نوبل؟ الحقيقة العلمية وراء إنجاز غيّر وجه الكيمياء

بقلم: أيمن الشرقاوي أحمد زويل لم يخترع الفيمتوثانية… بل جعل العالم يرى التفاعلات الكيميائية لأول مرة كيف غيّر عالم مصري فهم البشرية للكيمياء واستحق جائزة نوبل؟ بقلم: د. أيمن السيد الشرقاوي (Ayman E. El-Sharkawey) يعتقد كثيرون أن العالم المصري الراحل الدكتور أحمد حسن زويل حصل على جائزة نوبل لأنه “اخترع الفيمتوثانية”. ورغم انتشار هذه العبارة في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها ليست صحيحة علميًا. فـالفيمتوثانية ليست اختراعًا، وإنما وحدة قياس للزمن تعادل جزءًا من مليون مليار جزء من الثانية (10⁻¹⁵ ثانية)، تمامًا كما أن السنتيمتر وحدة لقياس الطول، وليس اختراعًا بحد ذاته. لكن السؤال الأهم هو: ما الإنجاز الحقيقي الذي جعل أحمد زويل يدخل تاريخ العلم من أوسع أبوابه؟ عندما كانت الكيمياء ترى البداية والنهاية فقط على مدار أكثر من قرنين، استطاع العلماء تفسير آلاف التفاعلات الكيميائية، وعرفوا المواد الداخلة في التفاعل والنواتج النهائية، لكن ظل هناك سؤال محير: ماذا يحدث بين البداية والنهاية؟ كيف تنكسر الروابط الكيميائية؟ وكيف تتكون روابط جديدة؟ وكيف تتحرك الذرات في أثناء التفاعل؟ كانت هذه المرحلة تحدث بسرعة تفوق قدرة أي وسيلة رصد عرفها الإنسان، ولذلك بقيت أشبه بـ”الصندوق الأسود” في الكيمياء. السر يكمن في الفيمتوثانية معظم التفاعلات الكيميائية تحدث خلال زمن بالغ القصر يُقاس بالفيمتوثانية. ولكي نتخيل هذا الرقم المذهل، فإن الثانية الواحدة تحتوي على ألف تريليون فيمتوثانية. أي أن ما يحدث داخل الجزيئات يتم في زمن أقصر من أن تدركه أسرع الكاميرات التقليدية بملايين المرات. ولهذا السبب، لم يكن أحد يستطيع رؤية الذرات وهي تتحرك أثناء التفاعل. هنا بدأ إنجاز أحمد زويل استطاع الدكتور أحمد زويل تطوير تقنية تعتمد على نبضات ليزر فائقة القصر، تعمل بطريقة دقيقة للغاية. تبدأ النبضة الأولى بإطلاق التفاعل الكيميائي، ثم تتبعها نبضة ثانية بعد زمن محسوب بالفيمتوثواني، فتلتقط “لقطة” لما يحدث داخل الجزيء. وعند تكرار هذه العملية آلاف المرات، أمكن تجميع صور متتابعة تشبه الفيلم السينمائي، تكشف حركة الذرات لحظة بلحظة. لأول مرة في التاريخ، أصبح العلماء يشاهدون التفاعل الكيميائي وهو يحدث أمامهم، بدلًا من الاكتفاء بدراسة نتائجه بعد انتهائه. ومن هنا وُلد فرع علمي جديد حمل اسم كيمياء الفيمتو (Femtochemistry)، وهو الإنجاز الذي مُنح بسببه الدكتور أحمد زويل جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999. لماذا كان هذا الاكتشاف ثورة علمية؟ إن رؤية الذرات أثناء حركتها لم تكن مجرد إنجاز تقني، بل غيّرت منهج البحث العلمي بالكامل. فقد أصبح بالإمكان: تشبيه يقرب الفكرة تخيل أنك تشاهد مباراة كرة قدم، لكن الكاميرا تلتقط صورة واحدة فقط قبل تسجيل الهدف وصورة أخرى بعده. ستعرف النتيجة، لكنك لن تعرف كيف سُجل الهدف. هذا تمامًا ما كان يحدث في الكيمياء قبل أحمد زويل. أما بعد تطوير تقنية الفيمتو، فقد أصبح العلماء يمتلكون كاميرا فائقة السرعة تسجل كل حركة للذرات أثناء التفاعل، وكأن الزمن تباطأ إلى درجة تسمح بدراسة كل خطوة على حدة. إرث يتجاوز جائزة نوبل لم تكن جائزة نوبل نهاية رحلة أحمد زويل، بل بداية مرحلة جديدة في العلوم الحديثة. فقد أسس مدرسة علمية كاملة، وأسهم في تطوير التصوير الإلكتروني رباعي الأبعاد، وأثر في مجالات الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والبيولوجيا والطب والهندسة النانوية. لقد لم يمنح العلماء مجرد تقنية جديدة، بل منحهم قدرة غير مسبوقة على رؤية العالم الذري أثناء الحركة، وهو ما فتح آفاقًا واسعة أمام الابتكار العلمي في القرن الحادي والعشرين. واخيرا يبقى الدكتور أحمد زويل رمزًا عالميًا للعالم العربي، ليس لأنه اخترع وحدة زمنية، وإنما لأنه جعل الإنسان يرى ما كان يُعتقد أنه مستحيل الرؤية. وهذا هو جوهر الاكتشافات الكبرى؛ فهي لا تغيّر ما نعرفه فحسب، بل تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الطبيعة نفسها. مراجع علمية Williamson JC, Cao J, Ihee H, Frey H, Zewail AH. Clocking transient chemical changes by ultrafast electron diffraction. Nature. 1997;386:159–162. DOI: 10.1038/386159a0 Zewail AH. Femtochemistry: Atomic-Scale Dynamics of the Chemical Bond Using Ultrafast Lasers. Nobel Lecture, 1999. Zewail AH. Laser Femtochemistry. Science. 1988;242(4886):1645–1653. DOI: 10.1126/science.242.4886.1645 Zewail AH. Four-Dimensional Electron Microscopy. Philosophical Transactions of the Royal Society A. 2010;368:1195–1214. DOI: 10.1098/rsta.2009.0265 Zewail AH. Nobel Prize in Chemistry 1999. Nature. 1999;401:727. DOI: 10.1038/401727a

عرب وعوالم

مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي… حين انتصرت السينما للحياة وكتبت العاصمة الاقتصادية فصلًا جديدًا في الذاكرة العربية

بقلم: عبير وحيدصحفية ومستشارة إعلامية ​لم تعد المهرجانات السينمائية في العالم العربي مجرد محطات سنوية لعرض الأفلام أو توزيع الجوائز الفخرية، بل أصبحت فضاءات حقيقية للحوار الثقافي ومنابر ممتازة تحتفي بالإبداع المستمر. تأتي هذه الفعاليات لتؤكد أن السينما قادرة ببراعة على مد الجسور بين الشعوب وحفظ الذاكرة الإنسانية، مع إعادة طرح الأسئلة الجوهرية التي تشغل الإنسان العربي في حاضره ومستقبله.​ومن هذا المنطلق الراسخ، يواصل مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي ترسيخ مكانته المرموقة عامًا بعد آخر، باعتباره أحد أبرز المواعيد السينمائية التي تجمع صناع الفن السابع من مختلف أنحاء الوطن العربي. وتحتضن هذا الحدث مدينة عُرفت دائمًا بانفتاحها الثقافي واحتضاناتها المتواصلة لكل أشكال الإبداع والفنون.​وجاءت الدورة السابعة للمهرجان لتؤكد هذا الحضور المتنامي والتميز المشهود، من خلال برنامج سينمائي متنوع وزاخر بالأعمال الفنية اللائتة. جمع البرنامج بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والأفلام الوثائقية المتميزة، إلى جانب الندوات الفكرية وجلسات الماستر كلاص واللقاءات المفتوحة مع نخبة من المخرجين والممثلين والنقاد.​شكلت هذه الفعاليات تجربة ثقافية متكاملة تجاوزت حدود الشاشة الفضية لتلامس قضايا الإنسان العربي وهمومه وتطلعاته. ومع إسدال الستار على فعاليات هذه الدورة، لم يكن المشهد مجرد احتفال روتيني بإعلان الفائزين، بل كان احتفاءً حقيقيًا بالسينما العربية في أبهى صورها وبقدرتها على فتح مساحات جديدة للتفكير والحوار والتعبير الحر.​نجوم الفن السابع يضيئون سماء الدار البيضاء​ولعل أكثر ما ميّز هذه الدورة الاستثنائية هو الحضور الوازن لكوكبة من الفنانين والمخرجين وصناع السينما العرب الذين أضفوا بريقًا خاصًا على الفعاليات. وفي مقدمتهم برز الفنان المصري محمد فراج، الذي قدّم خلال جلسة الماستر كلاص تجربة ملهمة استعرض فيها محطات فارقة من مسيرته الفنية.​وتحدث فراج بشغف عن أهمية الصدق في الأداء التمحيصي واحترافية العمل احترامًا لعقل المشاهد، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي والمتواصل لا يتحقق إلا بالاجتهاد والاستمرار في تطوير الذات.​كما كان حضور الفنانة المصرية القديرة سماح أنور محطة لافتة ومحورية في المهرجان، نظرًا لما تمثله من قيمة فنية وتاريخية كبيرة في السينما والدراما العربية. وقد تميزت بتواضعها العالي وعفويتها الصادقة وقربها من محبيها والوسائل الإعلامية، مما عكس الوجه الإنساني الأصيل للفنان الحقيقي الذي يظل وفيًا لجمهوره في كل المحافل.​وشهدت الدورة كذلك مشاركة مميزة من المخرج المغربي نبيل عيوش، الذي يعد من أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ حضور السينما المغربية على الساحة الدولية. وانضم إليه المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، والمخرجة السعودية هند الفهاد، إلى جانب نخبة من المخرجين والمنتجين والنقاد والإعلاميين الذين أثروا النقاشات الفكرية واللقاءات التفاعلية.​تكريمات مستحقة وجوائز تنافسية في قلب الحدث​وكان للتكريمات التي خصصها المهرجان هذا العام وقع خاص وإشادة واسعة، إذ جاءت اعترافًا مستحقًا بمسارات فنية أثرت الساحة وتركت بصمة واضحة في تاريخ السينما العربية. وأوصل هذا التكريم رسالة نبيلة تؤكد أن الاحتفاء بالمبدعين لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالأعمال السينمائية ذاتها، وأن الوفاء لأهل العطاء يظل من القيم الأساسية التي يكرسها المهرجان.​وعلى مستوى المنافسة الرسمية، حملت النتائج المعلنة الكثير من الدلالات الفنية والجمالية. حيث توّج الفيلم المصري “شكوى رقم 713317” للمخرج ياسر شفيعي بالجائزة الكبرى للمهرجان، بعد أن حظي بإشادة واسعة من لجنة التحكيم لتميز معالجته الإنسانية العميقة ولغته السينمائية الناضجة التي تؤكد أن السينما المصرية ما زالت تتألق في تقديم أعمال تلامس الواقع.​وعادت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى الفيلم العراقي “فلانة” للمخرجة زهراء غندور، في تتويج يعكس قوة الحضور النسائي في مجال الإخراج العربي. بينما نال الفنان المصري الكبير محمود حميدة جائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز في فيلم “شكوى رقم 713317”.​وتُوجت الممثلة التونسية زينب المالكي بجائزة أفضل ممثلة عن أدائها اللافت الذي حظي بإعجاب الجمهور والنقاد على حد سواء. ولم تغب السينما المغربية عن منصات التتويج، إذ حصد فيلم “النمل” للمخرج ياسين فنان جائزة أفضل سيناريو، بينما فاز الفيلم الوثائقي “بحيرة الأيتام” للمخرج سالم بلال بجائزة أفضل فيلم وثائقي.​أبعاد إنسانية وشهادة من قلب التغطية الإعلامية​إن قيمة المهرجانات السينمائية الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الجوائز الممنوحة، بل بما تخلقه من لقاءات إنسانية ومهنية وتواصل مستمر بين الفنانين والإعلاميين والجمهور. وبوصفي صحفية شهدت فعاليات حفل الاختتام، لم تكن المشاركة مجرد تغطية صحفية لحدث ثقافي، بل كانت تجربة غنية أتاحت لي فرصة التواصل مع قامات فنية وثقافية ودبلوماسية بارزة.​ومن اللحظات الراسخة في الذاكرة، لقائي بالفنانة القديرة سماح أنور التي تجلت فيها الإنسانية والتواضع، إضافة إلى الحوارات المثرية مع المخرج المغربي نبيل عيوش والمخرج المصري ياسر شفيعي. وكذلك اللقاء البارز مع سعادة السفير اليمني السيد عزالدين الاصبحي، وهي التفاعلات التي أكدت لي أن السينما تصنعها القيم الإنسانية والاحترام المتبادل قبل كاميرات التصوير.​إن ما تحقق من نجاح باهر في هذه الدورة يعكس رؤية تنظيمة واضحة وجُهدًا جماعيًا يقوده المهرجان برئاسة الأستاذة فاطمة النوالي، رفقة فريق عمل احترافي آمن بأن التظاهرات الثقافية الكبرى تُبنى بالعمل المؤسسي والدقة في التنظيم والاهتمام بالتفاصيل. ونجحت هذه الرؤية في تقديم صورة مشرقة عن مدينة الدار البيضاء كمركز إشعاع ثقافي وفني في المنطقة.​تغادر الجماهير والضيوف القاعات وهم يحملون قناعة راسخة بأن السينما العربية، رغم كل التحديات، ما زالت تنبض بالحياة وتجمع القلوب والمشاعر. ويبقى مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي مشروعًا ثقافيًا متكاملاً يمنح الفن مكانته المستحقة ويفتح للجميع مساحات واسعة للحلم والأمل.​هل تعتقد أن المهرجانات السينمائية العربية نجحت في إيصال قضايا الإنسان العربي إلى العالم بأسلوب سينمائي ناضج؟

سياسة

بين فكي «الكماشة البحرية» كيف تحولت الشرايين الملاحية إلى ساحة حرب بين واشنطن وطهران؟

بقلم م/ سعد محمد العقبي لم تعد منطقة الشرق الأوسط تكتفي بالسير فوق حبل مشدود بل قفزت بالفعل إلى ساحة مواجهة متسارعة لا تفرق بين البر والبحر. فالشواهد الميدانية الأخيرة لا تشير فقط إلى جولة جديدة من تبادل الرسائل النارية بل تعكس تحولا هيكليا في قواعد اللعبة الإقليمية حيث اصبحت الملاحة البحرية وأمن الطاقة العالمي الحطب الأساسي لهذه المحرقة المتصاعدة.1- خنق الشرايين الملاحة البحرية تحت خط النارتتبلور في الأفق ملامح استراتيجية خنق مزدوجة تستهدف المملكة العربية السعودية والممرات الملاحية الأكثر أهمية في العالم. فبينما يشتعل البحر الأحمر جنوبا يزداد التوتر شدة في مضيق هرمز شرقا ليضع الملاحة الدولية أمام اختبار غير مسبوق للقدرة على الاستمرار.في الجنوب وبعد هدوء حذر امتد لأكثر من عام كامل استُغل في إعادة بناء القدرات وتطوير الصواريخ الباليستية والمسيّرات عادت جماعة الحوثي لتكسر صمتها الميداني عبر فرض حصار بحري يهدف لمنع السفن والموانئ المتجهة إلى السعودية عبر مضيق باب المندب. لم تكن هذه الخطوة مجرد مناورة سياسية بل قُرنت بإعلان التعبئة العامة وفتح كافة الخيارات العسكرية ردا على استمرار الحصار وقصف مطار صنعاء.تكلفة هذا الحصار الجنوبي تتجاوز الصراع المحلي إذ تُجبر خطوط الملاحة الدولية على تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح مما يعني ارتفاعا قياسيا في أسعار الشحن والتأمين وتأخيرا حادا في الإمدادات. هذا التحول يهدد بتقليص إمدادات النفط العالمية بنسب تصل إلى 10% مع وقوع خطوط الإمداد البديلة كخط “بترولاين” السعودي تحت ظلال هذا التهديد المباشر. 2- التصعيد الإيراني المباشر في هرمزوعلى الجانب الآخر من الخريطة لم تكتفِ طهران بإدارة المعركة عبر وكيلها في الجنوب بل دخلت بشكل مباشر على خط المواجهة في مضيق هرمز والخليج العربي. ومن خلال فرض ما أسمته بـ “هيئة مضيق الخليج الفارسي” تحاول إيران تنظيم المرور البحري وفرض سيادتها على الحركة الملاحية عبر إجبار السفن على المرور في مياهها الإقليمية وإغلاق الطرق البديلة كالممرات العمانية.ولم يتوقف هذا التضييق عند حدود اللوائح والإنذارات عبر اللاسلكي إذ ترجم ميدانيا باستهداف ناقلات نفط ومواد كيماوية بشكل مباشر كما حدث مع الناقلة الكويتية “كيفان” وناقلة أخرى ترفع علم مالطا حيث اندلعت النيران في غرف المحركات واضطر الطاقمان للإخلاء. هذا التصعيد المزدوج بين باب المندب وهرمز يضع الاقتصاد العالمي بين فكي كماشة حقيقية تُعيد تشكيل خارطة المخاطر لأسواق الطاقة. باب المندب جنوبا و البحر الأحمر والساحل الغربي ضغط مباشر على أسعار الشحن وأمن الطاقة مضيق هرمز شرقا والخليج العربي وشرايين النفط 3- التحول العسكري الأمريكي الضرب في العمقفي المقابل أدركت واشنطن أن معادلة الردع التقليدية القائمة على احتواء الأطراف لم تعد مجدية. ولذا تجاوزت واشنطن استراتيجية استهداف الدفاعات الساحلية أو مواقع الوكلاء في دول الجوار وانتقلت إلى مرحلة أكثر جراءة توجيه ضربات جوية مباشرة للعمق الإيراني في المناطق الشمالية الغربية والوسطى.استهدفت هذه الضربات البنية التحتية الصاروخية للحرس الثوري بما في ذلك- صوامع الصواريخ الباليستية المدفونة تحت الأرض.- مصانع الوقود الصلب.- مراكز تطوير وتجميع الطائرات المسيرة.جاء هذا التحول الاستراتيجي كرد مباشر على سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الأمريكي إثر هجمات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت قاعدة “الموفق السلط” الجوية في الأردن ومواقع أخرى في العراق. والرسالة الأمريكية هنا باتت صريحة لا توجد الجغرافيا ملاذا آمنا والعمق العسكري الإيراني أصبح هدفا مباشرا للردع. 4- الشرخ الداخلي اقتصاد متهالك أم مواجهة شاملة؟هذا التصعيد العسكري القاسي يضع الداخل الإيراني أمام صراع إرادات محتدم بين تيارين داخل مؤسسات القرار التيار البراجماتي يمثله سياسيون مدنيون (من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف) ويرى أن استمرار الحرب يخنق الاقتصاد المتهالك اصلا بالعقوبات ويحذر من أن الانهيار الخدمي والمحلي قد يتحول إلى اضطرابات شعبية تهدد الاستقرار الداخلي للنظام. قيادة الحرس الثوري يمسك التيار المتشدد بزمام القرار العسكري واضعا الهواجس الاقتصادية جانبا. يرى الحرس الثوري أن معركة فرض النفوذ وطرد القوات الأمريكية تتقدم على أي اعتبار آخر حتى لو كان الثمن توجيه كافة الموارد المالية نحو الآلة العسكرية وتعميق العزلة الشاملة. 5- الأفق المفتوح على الاستنزافمع تشابك الجبهات وتصاعد حدة الاشتباك يبدو أن المنطقة تتجه بخطى حثيثة نحو حرب استنزاف إقليمية ممتدة. فالممرات البحرية وضفاف الخليج ومنابع الطاقة أصبحت أدوات أساسية في إدارة الصراع السيادي. وفي ظل غياب المبادرات الدبلوماسية الحقيقية وإصرار كافة الأطراف على رفع سقف الرهان يظل السؤال القائم ليس ما إذا كان التصعيد يستمر بل متى وأين ستكون ضربة الاشتعال القادمة ومن سينتهي به المطاف لتحمل الفاتورة النهائية لهذا الحريق الممتد.

حوادث

تحرك دبلوماسي مغربي حاسم لمتابعة تحقيقات وفاة المواطن عبد الرحيم في إيطاليا​

بقلم: عبير وحيدصحفية ومستشارة إعلامية​ تتجه الأنظار مجدداً نحو جهود الدبلوماسية المغربية في حماية أبناء الوطن في الخارج، عقب التطورات الأخيرة المتعلقة بوفاة المواطن المغربي عبد الرحيم على الأراضي الإيطالية. وفي خطوة تعكس حرص المملكة المغربية الثابت على صون حقوق مواطنيها أينما وجدوا، سارعت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج إلى مطالبة السلطات الإيطالية بتقديم توضيحات دقيقة وشاملة حول الظروف والحيثيات التي رافقت هذا الحادث الأليم.​ولم تقتصر المطالبات المغربية على طلب التوضيحات فحسب، بل شملت الدعوة الصريحة إلى فتح تحقيق قضائي وأمني يتسم بالشفافية والنزاهة الكاملة. وتهدف هذه الخطوة الرسمية إلى تحديد المسؤوليات بشكل دقيق، وتطبيق المقتضيات القانونية الصارمة في حال ثبوت أي تجاوز أو تقصير من قبل الجهات المعنية بالواقعة.​وقد أثارت هذه القضية حالة من الاهتمام الواسع والمتابعة الحثيثة داخل الأوساط المغربية والإيطالية على حد سواء. وجاء هذا التفاعل المكثف عقب تداول مقاطع مصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي توثق أجزاء من عملية توقيف الراحل، مما أثار موجة من التساؤلات والردود الشعبية والحقوقية.​ونتيجة لتلك المعطيات، تعالت أصوات العديد من المنظمات الحقوقية والفعاليات الإعلامية لمطالبة الأجهزة القضائية والمستقلة بكشف الحقيقة كاملة للرأي العام. وتركزت هذه المطالبات على ضرورة استناد التحقيقات إلى الأدلة العلمية والميدانية بعيداً عن أي تأويلات مسبقة أو قراءات غير دقيقة للموقف.​أبعاد التحرك الدبلوماسي وحماية الكرامة​يؤكد هذا التحرك السريع للوزارة أن حماية كرامة المواطن المغربي تشكل أولوية قصوى لا تتوقف عند حدود الجغرافيا الوطنية، بل تمتد لتشمل كافة أبناء الجالية المغربية عبر العالم. ويأتي هذا الموقف في إطار العلاقات الثنائية القوية التي تجمع بين المملكة المغربية والجمهورية الإيطالية، وهي علاقات تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل، والتعاون القضائي والأمني المشترك، والالتزام بالمعاهدات الدولية الموقعة بين الطرفين.​وفي التعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة، يظل الاحتكام إلى نتائج التحقيقات الرسمية والتقرير الطبي الشرعي هو السبيل الأمثل والمعتمد للوصول إلى الحقيقة اليقينية. ويضمن هذا المسار القانوني حق أسرة الضحية والمجتمع في معرفة التفاصيل الكاملة، ويمهد الطريق لاتخاذ الإجراءات اللازمة ومحاسبة أي طرف يثبت تورطه وفق القانون التشريعي المعمول به.​إن تحقيق العدالة الناجزة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بضمان معايير الشفافية وتقديم المعطيات الموثوقة فور توفرها. كما أن احترام حقوق الإنسان والحفاظ على الكرامة الآدمية يظلان مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والتوازنات السياسية.​وتستمر المتابعة الدقيقة لهذا الملف عن قرب من قبل الجهات الممثلة للمملكة، في انتظار ما ستسفر عنه النتائج النهائية للتحقيقات الجارية لدى السلطات القضائية الإيطالية، بما يضمن سيادة القانون وإحقاق الحق.

سياسة

ثورة يوليو وما بعدها رحلة البحث عن العدالة الاجتماعية والمسار السياسي المنشود

بقلم العقيد أيمن الخطيب تمثل ثورة 23 يوليو إحدى أبرز المحطات المفصلية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، إذ لم تكن مجرد حركة أنهت الحكم الملكي، بل شكلت نقطة انطلاق نحو بناء دولة جديدة ارتكزت على مفاهيم العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والتنمية الشاملة. وعلى مدار العقود الماضية، ظل تأثير الثورة حاضرًا في مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بينما بقيت قضية المشاركة السياسية والتعددية الحزبية من أبرز التحديات التي واجهت التجربة المصرية.ومع تطور المشهد السياسي وتغير طبيعة التحديات الداخلية والإقليمية، برزت الحاجة إلى إعادة قراءة تجربة يوليو والاستفادة من دروسها، بما يواكب متطلبات الدولة الحديثة ويحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي، وصولًا إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.ثورة يوليو وبناء الدولة الحديثةنجحت ثورة يوليو في إحداث تحولات جذرية في بنية المجتمع المصري، بعدما تبنت مشروعًا وطنيًا يقوم على تعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية المستقلة. وكان قانون الإصلاح الزراعي من أبرز هذه الإنجازات، إذ أعاد توزيع الملكية الزراعية بصورة أسهمت في تحسين أوضاع آلاف الفلاحين، ورسخ مفهوم العدالة في توزيع الموارد.كما مثلت مجانية التعليم نقطة تحول كبرى، حيث فتحت أبواب الترقي الاجتماعي أمام أبناء الطبقات البسيطة، وأسهمت في إعداد كوادر وطنية ساهمت في بناء مؤسسات الدولة. وفي الوقت نفسه، أدى إنشاء قاعدة صناعية وطنية إلى توفير فرص عمل واسعة، وتعزيز القدرة الإنتاجية، ودعم استقلال القرار الوطني في مواجهة التحديات الخارجية.الديمقراطية بين الطموح والتحدياتورغم ما تحقق من إنجازات اقتصادية واجتماعية، ظلت التجربة الديمقراطية تواجه تحديات متراكمة، إذ لم يواكب البناء السياسي حجم التحولات التي شهدتها الدولة، وهو ما جعل تطوير الحياة الحزبية وتعزيز المشاركة الشعبية مطلبًا مستمرًا لضمان استدامة التنمية وترسيخ مبادئ الدولة الحديثة.وتؤكد التجارب أن التنمية الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، بل تحتاج إلى بيئة سياسية قوية تقوم على التعددية والمشاركة وصناعة القرار من خلال مؤسسات فاعلة تعبر عن مختلف فئات المجتمع.ثورة يونيو واستكمال مسيرة الدولة الوطنيةجاءت ثورة 30 يونيو، وفق رؤية الكاتب، باعتبارها امتدادًا لروح الدولة الوطنية التي أرستها ثورة يوليو، ولكن في إطار يتناسب مع تحديات العصر الحديث. وقد انعكس ذلك في إطلاق عدد من المشروعات القومية الكبرى التي استهدفت تحسين جودة الحياة، وفي مقدمتها القضاء على العشوائيات، ومبادرة “حياة كريمة”، إلى جانب تطوير منظومة الحماية الاجتماعية والتكافل، وتعزيز قدرات الدولة العسكرية والسياسية.ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات الاقتصادية تلقي بظلالها على المواطن، ما يجعل الأولوية في المرحلة المقبلة هي تحويل ثمار التنمية إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة، وزيادة القوة الشرائية، وتعزيز الشعور بالعائد المباشر من المشروعات القومية.إصلاح الحياة الحزبية ضرورة للمستقبليرى الكاتب أن تطوير المسار السياسي يبدأ بإعادة هيكلة الحياة الحزبية، من خلال الانتقال من الأحزاب الموسمية التي يقتصر نشاطها على المواسم الانتخابية، إلى أحزاب تقوم على البرامج والرؤى الواضحة القادرة على تقديم حلول واقعية لمشكلات المجتمع.ويقترح معالجة حالة التشرذم الحالية عبر اندماج الأحزاب المتقاربة في الأفكار والتوجهات، بما يسهم في تشكيل تكتلات سياسية رئيسية تمثل تيارات اليمين والوسط واليسار، لتصبح المنافسة قائمة على البرامج لا على الاعتبارات الشخصية أو المؤقتة، وهو ما يمنح المواطن بدائل سياسية واضحة ويعزز جودة العمل الحزبي.تطوير التشريعات الانتخابيةيشدد الكاتب على أهمية مراجعة القوانين المنظمة للحياة السياسية، وعلى رأسها قوانين الانتخابات، بما يحقق التوازن بين النظام الفردي ونظام القائمة النسبية، ويضمن تمثيلًا أكثر عدالة لمختلف القوى السياسية، ويحد من تأثير العصبيات ورأس المال السياسي على العملية الانتخابية.كما أن تطوير البيئة التشريعية من شأنه أن يوسع قاعدة المشاركة السياسية، ويشجع المواطنين على الانخراط في العمل العام، بما يعزز استقرار النظام الديمقراطي.المجالس المحلية بوابة إعداد القياداتويؤكد المقال أن الإسراع بإجراء انتخابات المجالس المحلية يمثل خطوة أساسية في مسيرة الإصلاح السياسي، باعتبارها المدرسة الأولى لإعداد القيادات الحزبية والشبابية، والحلقة الأقرب بين المواطن والدولة.فالمجالس المحلية تمتلك القدرة على نقل احتياجات المواطنين إلى مؤسسات الدولة، والمشاركة في متابعة تنفيذ خطط التنمية، بما يعزز كفاءة الإدارة المحلية ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.العدالة التوزيعية أساس التنمية المستدامةيرى الكاتب أن نجاح أي مشروع سياسي أو اقتصادي يرتبط بقدرته على تحقيق العدالة التوزيعية، من خلال تبني سياسات عملية تشمل إصلاحًا ضريبيًا تصاعديًا، وزيادة الاستثمار في التعليم والصحة، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لبناء الإنسان المصري.كما يدعو إلى ضمان التوزيع العادل لمشروعات التنمية بين جميع المحافظات، حتى تصل ثمار النمو إلى مختلف المناطق، وتتحقق التنمية المتوازنة التي تعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.مستقبل الدولة بين التنمية والإصلاح السياسييختتم الكاتب رؤيته بالتأكيد على أن ثورة يوليو وضعت الأساس لبناء دولة عصرية قوية، لكنها أثبتت أيضًا أن التنمية الاقتصادية تحتاج إلى مشاركة سياسية حقيقية حتى تحقق أهدافها بصورة مستدامة. كما يرى أن ثورة يونيو أعادت إحياء الروح الوطنية ورسخت مفهوم الدولة القومية، بينما يبقى الإصلاح السياسي الحقيقي مرهونًا بإعادة بناء الحياة الحزبية على أسس البرامج والكفاءة.ويؤكد أن مستقبل مصر لا تصنعه فئة بعينها، بل يصنعه وعي المواطن بحقوقه، وإرادة قيادة تدرك أن الأمن الحقيقي يبدأ من تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وبناء دولة قوية يتكامل فيها الاقتصاد مع السياسة، والتنمية مع المشاركة، لتظل مصر حرة مستقلة، قادرة على مواصلة مسيرة البناء والنهضة، وتحقيق تطلعات شعبها نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.عاشت مصر حرة مستقلة.

عرب وعوالم

سماح أنور من مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي: “الفنان الحقيقي لا يصنعه عدد المتابعين”

بقلم: عبير وحيدصحفية ومستشارة إعلامية في أجواء فنية وثقافية مميزة، احتضن مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي جلسة “ماستر كلاس” مع الفنانة المصرية القديرة سماح أنور، التي فتحت قلبها للجمهور والإعلاميين، متحدثةً بعفوية وصدق عن محطات مسيرتها الفنية، ورؤيتها لمستقبل الفن في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.واستهلت سماح أنور حديثها بالإشارة إلى أن دخولها عالم التمثيل لم يكن حلمًا راودها منذ الصغر، رغم نشأتها داخل بيئة فنية. وأكدت أن الأمر جاء بمحض الصدفة، قبل أن يتحول إلى مسيرة امتدت لسنوات، صنعت خلالها مكانتها في الدراما والسينما المصرية.وتحدثت الفنانة عن ميلها منذ بداياتها إلى تجسيد الشخصيات القوية والجريئة، مؤكدة أن هذا النوع من الأدوار ما يزال الأقرب إلى شخصيتها، وهو ما منحها حضورًا مميزًا لدى الجمهور.وفي محور الذكاء الاصطناعي، أوضحت أن التطور التكنولوجي يمثل فرصة مهمة لدعم الإبداع، ولا ترى فيه تهديدًا للفنان أو للإنسان، معتبرة أنه مجرد أداة مساعدة يمكن توظيفها لتطوير العمل الفني، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإحساس الإنساني أو الموهبة الحقيقية التي يقوم عليها الفن.كما أشادت بالدور الذي أصبحت تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تقريب المسافة بين الفنان وجمهوره، موضحةً أن الفنانين كانوا في الماضي يعتمدون على وسائل مكلفة لمعرفة آراء الجمهور، بينما أصبحت المنصات الرقمية اليوم تمنحهم تفاعلًا مباشرًا وسريعًا مع المتلقين، بما يساعدهم على تقييم أعمالهم وفهم تطلعات جمهورهم.وأكدت سماح أنور أن سر نجاح أي ممثل يكمن في صدقه وقدرته على إيصال الإحساس، معتبرة أن الأداء الحقيقي هو الذي يجعل المشاهد يعيش تفاصيل الشخصية وكأنها واقع. وأضافت، في تشبيه لافت، أن الممثل الناجح يشبه “المحتال المحترف” من زاوية واحدة فقط، وهي قدرته على إقناع الجمهور بالشخصية التي يجسدها، لكن الفرق أن الفنان يفعل ذلك بالإبداع والصدق الفني، لا بالخداع.كما استحضرت تجربتها مع عدد من كبار المخرجين الذين تعاملت معهم خلال مسيرتها، معبرة عن امتنانها لكل من ساهم في تطوير تجربتها، ومؤكدة أن كل محطة أضافت إليها خبرة جديدة.ومن الجوانب الإنسانية التي لفتت انتباه الحضور، حديثها عن شغفها منذ شبابها بأدوار الأم، إذ قالت إنها كانت تتمنى تجسيد هذه الشخصيات حتى وهي في الثلاثين من عمرها، وكانت تستمتع بالألقاب التي تعكس النضج مثل “أمي” و”خالتي”، معتبرة أن العمر يضيف للفنان عمقًا إنسانيًا وفنيًا.وخلال اللقاء، أتيحت لي فرصة توجيه سؤال مباشر للفنانة سماح أنور حول رأيها في دخول مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي إلى عالم التمثيل، وما إذا كان ذلك يشكل منافسة للفنانين المحترفين. فأجابت بثقة أن الفنان الحقيقي يبقى فنانًا بموهبته وخبرته، بينما يمتلك صناع المحتوى والمؤثرون مساحة مختلفة وجمهورًا مختلفًا، مؤكدة أن لكل طرف دوره ومجاله، وأن وجود المؤثرين لا ينتقص من قيمة الفنان ولا من مكانته.واختُتمت الجلسة وسط تفاعل كبير من الحضور، في لقاء عكس خبرة فنية طويلة، ورؤية متوازنة تجمع بين احترام تاريخ الفن والانفتاح على أدوات العصر، مع التأكيد الدائم على أن الموهبة والصدق يظلان الأساس الذي لا يمكن لأي تقنية أن تعوضه.– بقلم / عبير وحيدصحفية ومستشارة إعلامية

تعليم

ثقافة النقد البناء والتشجيع.. الطريق الأصوب لتطوير المجتمعات وبناء المستقبل

بقلم: م/ طارق محمد​ تتغير مفاهيم التواصل الإنساني والمجتمعي بسرعة كبيرة في عصرنا الحالي، حيث يسود في كثير من الأحيان انطباع خاطئ يختزل أي ملاحظة موضوعية في قالب الإساءة، ويصنف كل رأي مختلف على أنه هجوم شخصي يستوجب الدفاع والتصدي. إن هذا الفهم المنقوص لطبيعة الحوار الحقيقي يعوق مسارات التطوير، بينما تشير الحقائق التنموية والتاريخية إلى أن المجتمعات الحية لا تتطور ولا تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إلا عندما تتملك شجاعة تقبل النقد الصادق، وتتعامل مع الطروحات المختلفة بعقل مفتوح وتحليل منطقي هادئ.​إن وقوع الأخطاء ليس أمرًا مستغربًا أو معيبًا بحد ذاته، فكل مؤسسة إدارية وكل مسؤول في موقع عمله وكل إنسان في حياته معرضون للخطأ والسهو. غير أن الخطر الحقيقي الذي يهدد استقرار المؤسسات والمجتمعات يبدأ عندما يتحول الصمت إلى عادة راسخة، وعندما يفضل الأفراد التراجع عن التعبير عن آرائهم السديدة خوفًا من وقوعهم في مصيدة سوء الفهم أو التعرض للاتهامات المتبادلة التي لا طائل منها.​فلسفة النقد البناء ودوره في صناعة التغيير الأفضل​ينبغي التمييز بوضوح تام بين النقد البناء وبين محاولات الهدم والتشهير، فالنقد الأكاديمي والمهني الصريح لا يهدف مطلقًا إلى التقليل من شأن أحد أو الانتقام السطحي من أداء جهة ما. إن الغاية الأسمى للنقد المسؤول هي تحسين الواقع الملموس والوصول إلى حلول مبتكرة للعديد من التحديات اليومية.​عندما يبادر المواطن بالإشارة إلى وجود خلل في مرافق كشارع أو مدرسة أو مستشفى، فإن تصرفه هذا لا ينبع من موقف عدائي تجاه أحد، بل يعكس ممارسة واعية لدوره الوطني والمجتمعي. إن هذا الحرص المدني يسهم في صيانة الخدمات العامة ويضمن حصول الجميع على مستويات عالية من الجودة والكفاءة.​وفي مقابل ذلك، فإن المسؤول الذي يتلقى الملاحظات بصدر رحب ويترجمها سريعًا إلى خطط عمل ميدانية يستحق أعلى درجات التقدير والاحترام. إن الشجاعة التنفيذية والاعتراف الصريح بوجود المشكلة هما الخطوة الأولى في مسار العلاج الجذري، ولا يمكن بأي حال اعتبار هذا المسلك ضعفًا بل هو قمة القوة والرشد الإداري.​بناء ثقافة التكاتف والحوار بروح الفريق الواحد​يحتاج المجتمع المعاصر أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة تنموية حديثة تتخذ من الحوار البناء واحترام التنوع الرأي مرجعية أساسية لها. يتطلب هذا الفهم إدراكًا عميقًا لحقيقة أنه لا يوجد طرف يملك الحقيقة المطلقة، ولا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق النجاح بمفردها بعيدًا عن التفاعل الحقيقي مع محيطها.​تتجلى المصلحة الوطنية العليا عندما تلتف كافة الجهود نحو التعاون المتكامل بروح الفريق الواحد، في حين تضيع الفرص وتستنزف الطاقات عندما ينشغل كل طرف بالدفاع المستميت عن موقفه لمجرد إثبات أنه على حق دون النظر إلى النتائج العملية على أرض الواقع.​تتطلب الاستراتيجية الصحيحة لإدارة أي مجتمع تسليط الضوء على الإيجابيات ودعم المبادرات المتميزة، بالتوازي مع التصدّي الجسور لأوجه القصور والخلل. إن الجمع بين الإشادة بالجهود المخلصة والمطالبة المستمرة بتطوير الأداء يمثل المعادلة التوازن المعيارية لتحقيق التنمية المستدامة، حيث يبقى الهدف الأسمى دائمًا هو خدمة الناس وصناعة الغد الأفضل للجميع.​تظل الحقيقة الثابتة عبر الزمن هي أن الأوطان لا تبنى بالمجاملات الزائفة والتغاضي عن السلبيات، كما لا تبنى بالهجوم المتواصل والتشكيك الدائم الذي يزرع الإحباط. إن النهضة الحقيقية تُصنع بالكلمة الصادقة والعمل الجاد المخلص، مع وجود إرادة مجتمعية ومؤسسية صلبة لا تتوقف عن الإصلاح والتطوير المستمر.

اقتصاد

شراكة استراتيجية بين الرقابة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات لتعزيز كفاءة المنظومة الرقابية

بقلم: السيد صبح صبيح​ وقّعت الهيئة العامة للرقابة المالية مذكرة تفاهم تاريخية مع الجهاز المركزي للمحاسبات، بهدف توثيق التعاون المؤسسي والرقابي والتنظيمي بين الطرفين، بما ينعكس إيجابًا على كفاءة الأسواق المالية غير المصرفية، ويُرسخ مبادئ الحوكمة والشفافية داخل المؤسسات الوطنية.​وتأتي هذه الخطوة المحورية في إطار توجه الدولة المصرية نحو تعظيم التكامل والتنسيق بين أجهزتها المختلفة، بما يدعم مسيرة التنمية الاقتصادية الشاملة ويحقق المستهدفات الوطنية المدرجة ضمن رؤية مصر 2030.​توقيت حيوي وقيادة دولية للمؤسسات الرقابية​يكتسب هذا التفاهم أهمية استثنائية بالنظر إلى التوقيت الذي أُبرم فيه، حيث تقود مصر حاليًا أرفع المنظمات الرقابية على المستوى الدولي، مما يعزز من ثقل هذه الشراكة ويمنحها أبعادًا إقليمية ودولية متقدمة.​ويتولى الجهاز المركزي للمحاسبات رئاسة المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، بينما تتولى الهيئة العامة للرقابة المالية رئاسة لجنة الأسواق الناشئة والنامية بالمنظمة الدولية لهيئات أسواق المال، إضافة إلى شغلها منصب نائب رئيس مجلس إدارة المنظمة، وهو ما يساهم في بلورة رؤية مصر الرقابية وتعميق التنسيق في القضايا ذات الاهتمام العالمي.​ترسيخ الأطر التشريعية وتطوير الأنشطة المالية​وأكد الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن هذا التعاون يأتي امتدادًا طبيعيًا للجهود التنسيقية المستمرة مع مختلف مؤسسات الدولة، استنادًا إلى الاختصاصات الدستورية والقانونية المنظمة لعمل كل جهة.​وأوضح أن الهيئة تلعب دورًا جوهريًا في تنظيم وتطوير القطاع المالي غير المصرفي من خلال بناء إطار تشريعي وتنظيمي متطور، مما ساهم في توسيع نطاق الشمول المالي، وتنمية الأسواق، وتمكين المؤسسات المالية من تقديم دعم فعال للاقتصاد الوطني.​آليات تنفيذية ومبادرات عملية مشتركة​وأشار رئيس الهيئة إلى الشراكة الفعالة التي شهدتها السنوات الماضية لتطوير منظومة التشريعات وإصدار القرارات التنفيذية المحفزة للابتكار، مع الحرص التام على حماية حقوق المتعاملين في الأسواق.​وستبدأ الهيئة فورًا في تفعيل بنود المذكرة وتحويلها إلى أهداف قابلة للقياس، عبر عقد اجتماعات دورية وتشكيل فرق عمل مشتركة، إلى جانب التنسيق التشريعي، وتنفيذ برامج لبناء القدرات، وإعداد دراسات استباقية لإدارة واستشراف المخاطر المستقبلية.​رؤية الجهاز المركزي للمحاسبات لحماية الاقتصاد​ومن جانبه، صرح المستشار محمد الفيصل يوسف، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، بأن هذا التعاون يمثل بداية لمرحلة جديدة من التنسيق الاستراتيجي الشامل الذي يخدم المصالح العليا للدولة ويحمي مقومات الاقتصاد الوطني.​وأضاف أن الجهاز يحرص دائمًا في ممارسة مهامه على تطبيق أعلى المعايير الدولية للرقابة، لمواكبة التطورات المتسارعة في المجالات التقنية والمحاسبية، مشددًا على أهمية التكامل الدولي بين منصتي الرقابة المحاسبية والمالية.​تعزيز كفاءة الممارسات ورصد المخاطر المبكرة​ولفت رئيس الجهاز إلى أن التنسيق الوثيق بين الجانبين سيسهم بشكل مباشر في رفع جودة الأداء المهني، وتطوير آليات الرصد المبكر للتحديات والمخاطر، بما يصون الاستقرار الاقتصادي ويحقق أقصى استفادة من تبادل الخبرات الوطنية والدولية.​وتتضمن المذكرة إرساء أطر مؤسسية للتشاور المستمر ونقل أفضل الممارسات العالمية إلى السوق المحلية، فضلاً عن تطوير أدوات الإشراف وفق أحدث المعايير المتعارف عليها عالميًا.​محاور التعاون وتبادل الخبرات الفنية​وستشمل مجالات العمل المشتركة دراسة القضايا ذات الاهتمام المتبادل، وتطوير تطبيقات الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام، وتعزيز مستويات النزاهة والشفافية.​كما نصت الاتفاقية على الالتزام الكامل بالحفاظ على سرية البيانات والمعلومات المتبادلة وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة لعمل الطرفين، بما يضمن حماية أطر العمل المؤسسي وسريته.​يمثل هذا التككامل بين الهيئة العامة للرقابة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات نموذجًا يترجم حرص مؤسسات الدولة على بناء منظومة رقابية متكاملة تتسم بالمرونة والجاهزية، وتستند إلى أعلى المعايير العالمية، مما يعزز الثقة في المناخ الاستثماري المصري ويضمن حماية المقدرات الاقتصادية الوطنية.

Scroll to Top