جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

سياسة

سياسة

السقوط الأخلاقي في حي صبرة و بين مسرحية العدالة الدولية وغضب السيادة على الحدود المصرية.. ماذا يحدث في غزة؟

بقلم م/ سعد محمد العقبي​ تأملتُ كثيراً شاشات التليفزيون العالمية علي مدار سنوات وشهدت حروباً صاخبة وأزمات إقليمية متعاقبة غير أن الخلل الأخلاقي الذي يشهده العالم اليوم لم يبلغ قط هذه الدرجة من الانحطاط والوقاحة العارية. إن ما يجري في قطاع غزة لم يعد يصح تصنيفه ضمن المآسي الإنسانية الناجمة عن ظروف الحرب بل اصبح تعريفا ساطعا للنفاق دولي  تقوده منظومة أطلسية تسارع لإنقاذ أرواح بسيطة في الغرب وإقامة المناحات الإعلامية لأجلها بينما تغض النظر وتلتزم صمتا جائرا أمام استباحة شعب كامل يباد جهارا نهارا.​لعل الخدعة الكبرى التي تجرعتها البشرية في القرن الأخير هي مقولة المنظومة الدولية وقوانين حقوق الإنسان. اليوم تتكشف هذه المؤسسات الدولية الكبرى كمسرحية هزيلة ومبتذلة؛ ترفع رايات العدالة والشرعية حين تناسب التوازنات الجيوسياسية للدول الكبرى وتلتزم بالصمت التام عندما يتصل الأمر بالحق الفلسطيني. أي عدالة هذه التي تُقاس فيها قيمة الروح البشرية بجنسية الضحية ولونها ونوع جواز سفرها؟ إن المنظومة التي تعجز عن إيقاف جرائم حرب موثقة بالصوت والصورة وتكتفي بإصدار بيانات قلق خجولة ليست إلا شريكاً مستتراً في هذه المجازر.​حي صبرة.. حين تُنسح العائلات من السجل المدني​لو تأملنا ما جرى مؤخراً في حي صبرة جنوب مدينة غزة لربما أدركنا الحجم الحقيقي للهول. قصف طال منطقة سكنية أدى في لحظة خاطفة إلى إسقاط أكثر من 308 شخصاً بين شهيد ومفقود؛ طالت أنياب الموت 40 طفلاً و30 امرأة و7 من ذوي الهمم. الأرقام هنا ليست مجرد إحصائيات صماء تتداولها النشرات الأخبارية بل هي حكايات وأحلام وطموحات بُتِرت في لحظة غدر واحدة.​وفي جريمة يندى لها جبين البشرية مُحيت عائلات كاملة من السجل المدني للوجود. عائلتا أبو شريعة والحساينة وحديهما فقدتا نحو 112 شهيداً في ضربة واحدة. لم يتبقَ من هذه الأسر من يحمل اسمها أو يحفظ إرثها وكأنهم لم يعبروا هذه الأرض يوماً. هذا ليس مجرد قصف عسكري بل مسح وجودي ممنهج.​ولم تتوقف البشاعة عند حد القصف بل امتدت لتطال أدنى حقوق الإنسانية في التكريم والدفن. حين اضطرت فرق الإنقاذ المنهكة والأهالي المفجوعون للحفر بأيديهم وأظافرهم المتعبة لمدة 136 ساعة متواصلة تحت حرارة الشمس وركام الخرسانه المسلحه محاولين انتشال جثامين ذويهم. يأتي ذلك في ظل منع الاحتلال لآليات الإنقاذ ومعدات الحفر الحديثة من الدخول مما جعل أكثر من 157 جثماناً يربض تحت الركام لفترات طالت لشهور طويلة بل يقارب بعضها الألف يوم من الاحتجاز تحت التراب.​إن الصمت الدولي المريب تجاه المأساة لم يعد يرادف العجز القانوني أو الدبلوماسي بل أصبح شراكة صريحة ومباشرة في الجريمة. جُنحة هؤلاء المدنيين الوحيدة أنهم رفضوا الاستسلام وتمسكوا بأرضهم وترابهم حتى الرمق الأخير.​غضب في السيادة: التحركات عند الحدود المصرية​وفي سياق التصعيد والتمدد الاستعماري الأعمى تتواتر الأنباء والتقارير الميدانية المؤكدة حول شروع الاحتلال الإسرائيلي في بناء قاعدة عسكرية بالقرب من الحدود المصرية. إن هذه الخطوة لا تمثل مجرد استفزاز عسكري عابر بل تعد خرقاً صريحاً ومباشراً لبنود اتفاقية كامب ديفيد وللترتيبات الأمنية المقرة إقليمياً. إن محاولة فرض واقع أمني جديد على حدود مصر هي مغامرة غير محسوبة العواقب.​وهنا ينبغي الإشادة بوضوح وبلا مناورة بالموقف المصري الصلب إذ تقف القيادة المصرية والجيش المصري حائط صد منيعاً أمام القراءات والضغوط الدولية والإقليمية التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب السيادة المصرية. إن موقف القاهرة الثابت في حماية أمنها القومي ورفض التهجير القسري وإسناد الشعب الفلسطيني هو الركيزة الأساسية التي تمنع انهيار ما تبقى من معادلات التوازن في المنطقة.​تحية للصمود وتحذير للمستقبل​إن المقاومة الحقيقية في غزة ليست صموداً عسكرياً فحسب بل هي صمود أخلاقي وإنساني يعيد تعريف الكرامة في زمن الهوان. وجهتنا اليوم وكل يوم هي التحية والإجلال لهذا الشعب الأسطوري ولأرواح شهدائه الأبرار الذين كتبوا بدمائهم وثيقة كبرياء لن تمحوها ترسانات السلاح ولا نفاق العواصم الغربية.​إن التاريخ لا يرحم والمجلات الصحفية والوثائق لن تغفر لمن صمتوا أو برروا. إن الأزمة الراهنة والخرق المستمر للاتفاقيات الدولية يتطلبان مواجهة حازمة قبل أن تتسع رقعة الانفجار لتأكل الأخضر واليابس.

سياسة

هجوم ميناء دمياط يثير تساؤلات حول أمن الطاقة في شرق المتوسط وتداعيات التصعيد الإقليمي

بقلم عقيد أيمن الخطيب شهد ميناء دمياط في التاسع والعشرين من يوليو 2026 حادثًا كبيرًا تمثل في اندلاع حريق استهدف سفينتين تعملان في مجال تخزين وتداول الغاز الطبيعي، قبل أن يؤكد بيان رسمي صادر عن مجلس الوزراء المصري أن الواقعة نتجت عن هجوم باستخدام طائرة مسيرة. وقد نقل هذا الإعلان الحادث من كونه واقعة تشغيلية أو حادثًا عرضيًا إلى قضية ذات أبعاد أمنية واستراتيجية ترتبط بأمن الطاقة والصراعات الإقليمية في منطقة شرق المتوسط.استهداف منشآت الطاقة في ميناء دمياطاستهدف الهجوم سفينة إنرجوس وينتر، وهي وحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي وإعادة تغييزه مملوكة لشركة أمريكية، وتعد من الركائز الأساسية في منظومة الطاقة المصرية، إذ تعمل بموجب عقد يمتد حتى عام 2030 لتحويل الغاز الطبيعي المستورد وضخه إلى الشبكة القومية. كما طال الحريق سفينة جازلوج سالم اليونانية، الأمر الذي يسلط الضوء على حساسية الموقع المستهدف وأهميته في حركة تجارة وإمدادات الطاقة.ويكتسب ميناء دمياط أهمية استراتيجية باعتباره أحد أبرز الموانئ المصرية المرتبطة بقطاع الغاز الطبيعي، كما يمثل نقطة محورية في حركة تصدير واستقبال شحنات الطاقة، وهو ما يجعل أي استهداف له محل اهتمام إقليمي ودولي لما قد يترتب عليه من تأثيرات تتجاوز الحدود المصرية.أبعاد جيوسياسية ورسائل تتجاوز حدود الحادثأثار توقيت الهجوم وطبيعة الأهداف المستهدفة العديد من التساؤلات، خاصة بعد تداول تقارير إعلامية أشارت إلى أن ميناء دمياط سبق أن ورد ضمن قائمة أهداف محتملة في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة. كما تزامنت الواقعة مع تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران في عدد من الساحات الإقليمية، وهو ما دفع بعض التحليلات إلى الربط بين الحادث وتطورات المشهد الإقليمي.وفي المقابل، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسميًا عن الهجوم، بينما نفت طهران أي صلة لها بالواقعة، مؤكدة في تصريحات دبلوماسية حرصها على العلاقات مع مصر، ومحذرة من محاولات قد تهدف إلى توسيع دائرة الصراع عبر عمليات أو روايات مضللة، الأمر الذي يجعل نتائج التحقيقات الرسمية هي المرجع الأساسي لتحديد المسؤولية وكشف الملابسات.قراءة تحليلية للمشهد الأمنييرى الكاتب أن توسيع نطاق المواجهة ليشمل الدولة المصرية لا يبدو خيارًا منطقيًا لأي طرف يدرك حجم الثقل العسكري والسياسي الذي تتمتع به مصر، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية ودولية واسعة النطاق.ويضيف أن هناك احتمالات أخرى تستحق الدراسة، من بينها أن تكون بعض الأطراف الإقليمية المستفيدة من استمرار التوترات هي الأكثر استفادة من إشعال بؤر جديدة للصراع، بما يخدم أهدافًا تتعلق بإعادة رسم موازين النفوذ والسيطرة على ممرات الطاقة والمواقع الاستراتيجية في المنطقة.مصر بين الردع والحفاظ على الاستقرارتتعامل الدولة المصرية مع هذه التطورات وفق نهج يقوم على ضبط النفس والاعتماد على الإجراءات الأمنية والاستخباراتية المدروسة، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى مواجهات قد تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع في الإقليم.وفي الوقت نفسه، تواصل مؤسسات الدولة تعزيز إجراءات تأمين المنشآت الحيوية والموانئ الاستراتيجية، إلى جانب تكثيف التعاون المعلوماتي مع الشركاء المعنيين، بما يسهم في حماية البنية التحتية للطاقة وتأمين الملاحة البحرية ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.أمن الطاقة أصبح في قلب معادلات الصراعتكشف التطورات الأخيرة أن البنية التحتية للطاقة أصبحت هدفًا مباشرًا في الصراعات الحديثة، وأن أمن الموانئ ومنشآت الغاز لم يعد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي للدول.وتؤكد هذه المعطيات أهمية استمرار التنسيق الإقليمي والدولي لحماية خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة، خاصة في منطقة شرق المتوسط التي تشهد تزايدًا في أهميتها الاستراتيجية على المستويين الاقتصادي والسياسي.خاتمةيبقى حادث ميناء دمياط محطة مهمة تستدعي متابعة نتائج التحقيقات الرسمية، لما تحمله من دلالات تتعلق بأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. وبين تعدد التحليلات وتباين التقديرات، تظل الحقائق التي ستسفر عنها التحقيقات هي الأساس في تحديد المسؤوليات وفهم أبعاد ما جرى، بينما يظل الحفاظ على أمن المنشآت الحيوية واستقرار المنطقة أولوية لا غنى عنها في ظل التحديات المتسارعة.

سياسة

بين فكي «الكماشة البحرية» كيف تحولت الشرايين الملاحية إلى ساحة حرب بين واشنطن وطهران؟

بقلم م/ سعد محمد العقبي لم تعد منطقة الشرق الأوسط تكتفي بالسير فوق حبل مشدود بل قفزت بالفعل إلى ساحة مواجهة متسارعة لا تفرق بين البر والبحر. فالشواهد الميدانية الأخيرة لا تشير فقط إلى جولة جديدة من تبادل الرسائل النارية بل تعكس تحولا هيكليا في قواعد اللعبة الإقليمية حيث اصبحت الملاحة البحرية وأمن الطاقة العالمي الحطب الأساسي لهذه المحرقة المتصاعدة.1- خنق الشرايين الملاحة البحرية تحت خط النارتتبلور في الأفق ملامح استراتيجية خنق مزدوجة تستهدف المملكة العربية السعودية والممرات الملاحية الأكثر أهمية في العالم. فبينما يشتعل البحر الأحمر جنوبا يزداد التوتر شدة في مضيق هرمز شرقا ليضع الملاحة الدولية أمام اختبار غير مسبوق للقدرة على الاستمرار.في الجنوب وبعد هدوء حذر امتد لأكثر من عام كامل استُغل في إعادة بناء القدرات وتطوير الصواريخ الباليستية والمسيّرات عادت جماعة الحوثي لتكسر صمتها الميداني عبر فرض حصار بحري يهدف لمنع السفن والموانئ المتجهة إلى السعودية عبر مضيق باب المندب. لم تكن هذه الخطوة مجرد مناورة سياسية بل قُرنت بإعلان التعبئة العامة وفتح كافة الخيارات العسكرية ردا على استمرار الحصار وقصف مطار صنعاء.تكلفة هذا الحصار الجنوبي تتجاوز الصراع المحلي إذ تُجبر خطوط الملاحة الدولية على تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح مما يعني ارتفاعا قياسيا في أسعار الشحن والتأمين وتأخيرا حادا في الإمدادات. هذا التحول يهدد بتقليص إمدادات النفط العالمية بنسب تصل إلى 10% مع وقوع خطوط الإمداد البديلة كخط “بترولاين” السعودي تحت ظلال هذا التهديد المباشر. 2- التصعيد الإيراني المباشر في هرمزوعلى الجانب الآخر من الخريطة لم تكتفِ طهران بإدارة المعركة عبر وكيلها في الجنوب بل دخلت بشكل مباشر على خط المواجهة في مضيق هرمز والخليج العربي. ومن خلال فرض ما أسمته بـ “هيئة مضيق الخليج الفارسي” تحاول إيران تنظيم المرور البحري وفرض سيادتها على الحركة الملاحية عبر إجبار السفن على المرور في مياهها الإقليمية وإغلاق الطرق البديلة كالممرات العمانية.ولم يتوقف هذا التضييق عند حدود اللوائح والإنذارات عبر اللاسلكي إذ ترجم ميدانيا باستهداف ناقلات نفط ومواد كيماوية بشكل مباشر كما حدث مع الناقلة الكويتية “كيفان” وناقلة أخرى ترفع علم مالطا حيث اندلعت النيران في غرف المحركات واضطر الطاقمان للإخلاء. هذا التصعيد المزدوج بين باب المندب وهرمز يضع الاقتصاد العالمي بين فكي كماشة حقيقية تُعيد تشكيل خارطة المخاطر لأسواق الطاقة. باب المندب جنوبا و البحر الأحمر والساحل الغربي ضغط مباشر على أسعار الشحن وأمن الطاقة مضيق هرمز شرقا والخليج العربي وشرايين النفط 3- التحول العسكري الأمريكي الضرب في العمقفي المقابل أدركت واشنطن أن معادلة الردع التقليدية القائمة على احتواء الأطراف لم تعد مجدية. ولذا تجاوزت واشنطن استراتيجية استهداف الدفاعات الساحلية أو مواقع الوكلاء في دول الجوار وانتقلت إلى مرحلة أكثر جراءة توجيه ضربات جوية مباشرة للعمق الإيراني في المناطق الشمالية الغربية والوسطى.استهدفت هذه الضربات البنية التحتية الصاروخية للحرس الثوري بما في ذلك- صوامع الصواريخ الباليستية المدفونة تحت الأرض.- مصانع الوقود الصلب.- مراكز تطوير وتجميع الطائرات المسيرة.جاء هذا التحول الاستراتيجي كرد مباشر على سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الأمريكي إثر هجمات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت قاعدة “الموفق السلط” الجوية في الأردن ومواقع أخرى في العراق. والرسالة الأمريكية هنا باتت صريحة لا توجد الجغرافيا ملاذا آمنا والعمق العسكري الإيراني أصبح هدفا مباشرا للردع. 4- الشرخ الداخلي اقتصاد متهالك أم مواجهة شاملة؟هذا التصعيد العسكري القاسي يضع الداخل الإيراني أمام صراع إرادات محتدم بين تيارين داخل مؤسسات القرار التيار البراجماتي يمثله سياسيون مدنيون (من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف) ويرى أن استمرار الحرب يخنق الاقتصاد المتهالك اصلا بالعقوبات ويحذر من أن الانهيار الخدمي والمحلي قد يتحول إلى اضطرابات شعبية تهدد الاستقرار الداخلي للنظام. قيادة الحرس الثوري يمسك التيار المتشدد بزمام القرار العسكري واضعا الهواجس الاقتصادية جانبا. يرى الحرس الثوري أن معركة فرض النفوذ وطرد القوات الأمريكية تتقدم على أي اعتبار آخر حتى لو كان الثمن توجيه كافة الموارد المالية نحو الآلة العسكرية وتعميق العزلة الشاملة. 5- الأفق المفتوح على الاستنزافمع تشابك الجبهات وتصاعد حدة الاشتباك يبدو أن المنطقة تتجه بخطى حثيثة نحو حرب استنزاف إقليمية ممتدة. فالممرات البحرية وضفاف الخليج ومنابع الطاقة أصبحت أدوات أساسية في إدارة الصراع السيادي. وفي ظل غياب المبادرات الدبلوماسية الحقيقية وإصرار كافة الأطراف على رفع سقف الرهان يظل السؤال القائم ليس ما إذا كان التصعيد يستمر بل متى وأين ستكون ضربة الاشتعال القادمة ومن سينتهي به المطاف لتحمل الفاتورة النهائية لهذا الحريق الممتد.

سياسة

ثورة يوليو وما بعدها رحلة البحث عن العدالة الاجتماعية والمسار السياسي المنشود

بقلم العقيد أيمن الخطيب تمثل ثورة 23 يوليو إحدى أبرز المحطات المفصلية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، إذ لم تكن مجرد حركة أنهت الحكم الملكي، بل شكلت نقطة انطلاق نحو بناء دولة جديدة ارتكزت على مفاهيم العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والتنمية الشاملة. وعلى مدار العقود الماضية، ظل تأثير الثورة حاضرًا في مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بينما بقيت قضية المشاركة السياسية والتعددية الحزبية من أبرز التحديات التي واجهت التجربة المصرية.ومع تطور المشهد السياسي وتغير طبيعة التحديات الداخلية والإقليمية، برزت الحاجة إلى إعادة قراءة تجربة يوليو والاستفادة من دروسها، بما يواكب متطلبات الدولة الحديثة ويحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي، وصولًا إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.ثورة يوليو وبناء الدولة الحديثةنجحت ثورة يوليو في إحداث تحولات جذرية في بنية المجتمع المصري، بعدما تبنت مشروعًا وطنيًا يقوم على تعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية المستقلة. وكان قانون الإصلاح الزراعي من أبرز هذه الإنجازات، إذ أعاد توزيع الملكية الزراعية بصورة أسهمت في تحسين أوضاع آلاف الفلاحين، ورسخ مفهوم العدالة في توزيع الموارد.كما مثلت مجانية التعليم نقطة تحول كبرى، حيث فتحت أبواب الترقي الاجتماعي أمام أبناء الطبقات البسيطة، وأسهمت في إعداد كوادر وطنية ساهمت في بناء مؤسسات الدولة. وفي الوقت نفسه، أدى إنشاء قاعدة صناعية وطنية إلى توفير فرص عمل واسعة، وتعزيز القدرة الإنتاجية، ودعم استقلال القرار الوطني في مواجهة التحديات الخارجية.الديمقراطية بين الطموح والتحدياتورغم ما تحقق من إنجازات اقتصادية واجتماعية، ظلت التجربة الديمقراطية تواجه تحديات متراكمة، إذ لم يواكب البناء السياسي حجم التحولات التي شهدتها الدولة، وهو ما جعل تطوير الحياة الحزبية وتعزيز المشاركة الشعبية مطلبًا مستمرًا لضمان استدامة التنمية وترسيخ مبادئ الدولة الحديثة.وتؤكد التجارب أن التنمية الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، بل تحتاج إلى بيئة سياسية قوية تقوم على التعددية والمشاركة وصناعة القرار من خلال مؤسسات فاعلة تعبر عن مختلف فئات المجتمع.ثورة يونيو واستكمال مسيرة الدولة الوطنيةجاءت ثورة 30 يونيو، وفق رؤية الكاتب، باعتبارها امتدادًا لروح الدولة الوطنية التي أرستها ثورة يوليو، ولكن في إطار يتناسب مع تحديات العصر الحديث. وقد انعكس ذلك في إطلاق عدد من المشروعات القومية الكبرى التي استهدفت تحسين جودة الحياة، وفي مقدمتها القضاء على العشوائيات، ومبادرة “حياة كريمة”، إلى جانب تطوير منظومة الحماية الاجتماعية والتكافل، وتعزيز قدرات الدولة العسكرية والسياسية.ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات الاقتصادية تلقي بظلالها على المواطن، ما يجعل الأولوية في المرحلة المقبلة هي تحويل ثمار التنمية إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة، وزيادة القوة الشرائية، وتعزيز الشعور بالعائد المباشر من المشروعات القومية.إصلاح الحياة الحزبية ضرورة للمستقبليرى الكاتب أن تطوير المسار السياسي يبدأ بإعادة هيكلة الحياة الحزبية، من خلال الانتقال من الأحزاب الموسمية التي يقتصر نشاطها على المواسم الانتخابية، إلى أحزاب تقوم على البرامج والرؤى الواضحة القادرة على تقديم حلول واقعية لمشكلات المجتمع.ويقترح معالجة حالة التشرذم الحالية عبر اندماج الأحزاب المتقاربة في الأفكار والتوجهات، بما يسهم في تشكيل تكتلات سياسية رئيسية تمثل تيارات اليمين والوسط واليسار، لتصبح المنافسة قائمة على البرامج لا على الاعتبارات الشخصية أو المؤقتة، وهو ما يمنح المواطن بدائل سياسية واضحة ويعزز جودة العمل الحزبي.تطوير التشريعات الانتخابيةيشدد الكاتب على أهمية مراجعة القوانين المنظمة للحياة السياسية، وعلى رأسها قوانين الانتخابات، بما يحقق التوازن بين النظام الفردي ونظام القائمة النسبية، ويضمن تمثيلًا أكثر عدالة لمختلف القوى السياسية، ويحد من تأثير العصبيات ورأس المال السياسي على العملية الانتخابية.كما أن تطوير البيئة التشريعية من شأنه أن يوسع قاعدة المشاركة السياسية، ويشجع المواطنين على الانخراط في العمل العام، بما يعزز استقرار النظام الديمقراطي.المجالس المحلية بوابة إعداد القياداتويؤكد المقال أن الإسراع بإجراء انتخابات المجالس المحلية يمثل خطوة أساسية في مسيرة الإصلاح السياسي، باعتبارها المدرسة الأولى لإعداد القيادات الحزبية والشبابية، والحلقة الأقرب بين المواطن والدولة.فالمجالس المحلية تمتلك القدرة على نقل احتياجات المواطنين إلى مؤسسات الدولة، والمشاركة في متابعة تنفيذ خطط التنمية، بما يعزز كفاءة الإدارة المحلية ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.العدالة التوزيعية أساس التنمية المستدامةيرى الكاتب أن نجاح أي مشروع سياسي أو اقتصادي يرتبط بقدرته على تحقيق العدالة التوزيعية، من خلال تبني سياسات عملية تشمل إصلاحًا ضريبيًا تصاعديًا، وزيادة الاستثمار في التعليم والصحة، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لبناء الإنسان المصري.كما يدعو إلى ضمان التوزيع العادل لمشروعات التنمية بين جميع المحافظات، حتى تصل ثمار النمو إلى مختلف المناطق، وتتحقق التنمية المتوازنة التي تعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.مستقبل الدولة بين التنمية والإصلاح السياسييختتم الكاتب رؤيته بالتأكيد على أن ثورة يوليو وضعت الأساس لبناء دولة عصرية قوية، لكنها أثبتت أيضًا أن التنمية الاقتصادية تحتاج إلى مشاركة سياسية حقيقية حتى تحقق أهدافها بصورة مستدامة. كما يرى أن ثورة يونيو أعادت إحياء الروح الوطنية ورسخت مفهوم الدولة القومية، بينما يبقى الإصلاح السياسي الحقيقي مرهونًا بإعادة بناء الحياة الحزبية على أسس البرامج والكفاءة.ويؤكد أن مستقبل مصر لا تصنعه فئة بعينها، بل يصنعه وعي المواطن بحقوقه، وإرادة قيادة تدرك أن الأمن الحقيقي يبدأ من تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وبناء دولة قوية يتكامل فيها الاقتصاد مع السياسة، والتنمية مع المشاركة، لتظل مصر حرة مستقلة، قادرة على مواصلة مسيرة البناء والنهضة، وتحقيق تطلعات شعبها نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.عاشت مصر حرة مستقلة.

سياسة

القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية تعزز منظومة الأمن القومي برؤية وطنية شاملة

بقلم الدكتور محمد عبد المولى تشهد الدولة المصرية تطورًا متواصلًا في مفاهيم إدارة الأمن القومي، بما يواكب المتغيرات الإقليمية والدولية وطبيعة التهديدات الحديثة التي لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية. وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم القيادة الاستراتيجية باعتباره أحد أهم ركائز بناء الدولة الحديثة، من خلال الاعتماد على منظومة وطنية متكاملة تجمع بين القوة العسكرية والقدرات العلمية والتكنولوجية والإدارية والاقتصادية، بما يضمن تعزيز الجاهزية الوطنية واستمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها بكفاءة تحت مختلف الظروف.القوات المسلحة منظومة وطنية متكاملةيختزل البعض مفهوم القوة العسكرية في أفرع القتال التقليدية مثل المشاة والمدرعات والمدفعية والقوات البحرية والجوية، إلا أن هذا التصور لا يعكس الصورة الكاملة للمؤسسة العسكرية الحديثة. فالقوات المسلحة تمثل منظومة وطنية شاملة تضم إلى جانب التخصصات القتالية مجالات حيوية تشمل الهندسة الحربية، والطب العسكري، والقضاء العسكري، والشرطة العسكرية، والاتصالات، والبحث العلمي، والزراعة، واللوجستيات، والتصنيع، بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويعزز القدرة على تنفيذ المهام في مختلف الظروف، مع تقديم الدعم للدولة عند الحاجة.ولا يقتصر هذا النموذج على مصر وحدها، بل يعد سمة أساسية لدى الجيوش الكبرى في العالم، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وتركيا، التي أدركت منذ عقود أن قوة الجيوش لا تقاس فقط بحجم التسليح، وإنما بقدرتها على الاستمرار في العمل بكفاءة، والاعتماد على منظومة متكاملة من الموارد البشرية والعلمية والتكنولوجية واللوجستية.الحروب الحديثة تتجاوز ساحات القتالشهدت العقود الأخيرة تغيرًا جذريًا في طبيعة الصراعات الدولية، حيث أصبحت الحروب تستهدف مؤسسات الدولة وبنيتها الداخلية بوسائل متعددة تشمل الهجمات الإلكترونية، والتأثير على الرأي العام، واختراق نظم المعلومات، وتعطيل البنية التحتية، وإضعاف الاقتصاد، ونشر الشائعات، وإثارة الانقسام المجتمعي.وبناءً على ذلك، لم يعد معيار القوة مرتبطًا فقط بامتلاك أحدث الأسلحة، بل أصبح يعتمد على قدرة الدولة على إدارة الأزمات، وضمان استمرار مؤسساتها الحيوية، وحماية مقدراتها الوطنية، والحفاظ على تماسك المجتمع في مواجهة مختلف أنواع التهديدات العسكرية والاقتصادية والإعلامية والمعلوماتية.مفهوم جديد للقوة الوطنية الشاملةالعقيدة العسكرية الحديثة تجاوزت فكرة الجيش الذي يقتصر دوره على القتال، لتتبنى مفهوم القوة الوطنية الشاملة، التي تجمع بين القدرات العسكرية والعلمية والتكنولوجية والإدارية في إطار واحد.ولهذا أصبحت الجيوش المتقدمة تضم داخل هياكلها خبرات في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والهندسة، والاقتصاد، والإدارة، والاتصالات، والتعليم، والبحث العلمي، والنقل، والتصنيع، باعتبارها عناصر أساسية في بناء القوة العسكرية الحديثة، وليست مجرد تخصصات مساندة كما كان يُنظر إليها في السابق.كما أن الجندي في الجيش الحديث يعمل داخل منظومة متكاملة تضم متخصصين في البرمجيات، ونظم المعلومات، وسلاسل الإمداد، والإنتاج، والبحث والتطوير، بما يضمن تحقيق أعلى درجات الكفاءة والجاهزية.الأمن القومي يعتمد على الجاهزية المؤسسيةلم تعد الحروب تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، بل قد تنطلق من خلال هجوم إلكتروني على شبكة اتصالات، أو تعطيل محطة كهرباء، أو استهداف منظومة معلومات، أو التأثير في الاقتصاد، أو نشر حملات إعلامية تستهدف زعزعة الثقة داخل المجتمع.ومن هنا أصبح امتلاك القوات المسلحة لقدرات متقدمة في مجالات الطب والهندسة والإنشاءات والاتصالات والزراعة والتصنيع والبحث العلمي جزءًا من المفهوم الاستراتيجي الحديث للأمن القومي، القائم على توفير قدرات احتياطية واستراتيجية تدعم الدولة في أصعب الظروف، ضمن إطار من التكامل الكامل مع مختلف مؤسساتها.ويرى المتخصصون في الدراسات الاستراتيجية أن هذه القدرات لا تهدف فقط إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي للمؤسسة العسكرية، وإنما تمثل جزءًا من منظومة الجاهزية القومية، التي تضمن استمرار عمل الدولة بكفاءة في جميع السيناريوهات المحتملة.القيادة الاستراتيجية خطوة متقدمة لإدارة الدولةفي هذا السياق، تمثل القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة نقلة نوعية في فلسفة إدارة الأمن القومي، فهي ليست مجرد مقر حديث للقيادة، وإنما منظومة متكاملة للقيادة والسيطرة وإدارة الأزمات، تعتمد على دمج مؤسسات الدولة المختلفة داخل شبكة موحدة للمعلومات والاتصالات وصناعة القرار.وتتيح هذه المنظومة سرعة تدفق البيانات، ودقة تحليلها، وتوحيد القرار الوطني، بما يسهم في تعزيز سرعة الاستجابة لمختلف التحديات، ويجعل القيادة الاستراتيجية بمثابة العقل الذي يستقبل المعلومات من مختلف أجهزة الدولة، ويحولها إلى قرارات تنفيذية تتم متابعتها بصورة لحظية.كما تمثل القلب النابض لمنظومة الدولة، بما يضمن استمرار عمل المؤسسات الحيوية في أوقات السلم والأزمات والحروب، ويعزز وحدة القرار الوطني في مواجهة التحديات المعقدة.كفاءة القيادة والسيطرة أساس النجاحأثبتت التجارب الدولية أن نجاح الدول في مواجهة الأزمات لا يعتمد فقط على حجم الإمكانات المتوافرة، وإنما يرتبط بكفاءة منظومة القيادة والسيطرة، وسرعة اتخاذ القرار، ودقة التنسيق بين مؤسسات الدولة.فالتأخر في اتخاذ القرار، أو ضعف التنسيق، أو تشتت المعلومات، قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات حتى في الدول التي تمتلك إمكانات كبيرة، ولذلك تتجه الدول الكبرى باستمرار إلى تطوير مراكز قيادة متقدمة قادرة على دمج وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي، بما يدعم صناعة القرار الاستراتيجي في مختلف الظروف.كما تحمل هذه المشروعات بعدًا ردعيًا مهمًا، إذ تعكس مستوى التنظيم والجاهزية المؤسسية للدولة، وتؤكد قدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة واستقرار. فالردع في مفهومه الحديث لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يمتد إلى قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها بكفاءة، وضمان استمرارية عملها في جميع الظروف.رؤية مصر للأمن القومي في المستقبلتعكس القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية رؤية متكاملة للأمن القومي تقوم على التخطيط المسبق، والجاهزية المستمرة، والتكامل المؤسسي، والاستفادة من التطور التكنولوجي لمواكبة التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الدولية.كما تؤكد هذه الرؤية أن القوة الحقيقية للدولة الحديثة تتمثل في قدرتها على الصمود المؤسسي، واستمرار عمل أنظمتها الحيوية، وحماية بنيتها الداخلية من مختلف التهديدات التقليدية وغير التقليدية.خاتمةيبقى الأمن القومي مسؤولية وطنية تتكامل فيها جهود جميع مؤسسات الدولة، بينما تضطلع القوات المسلحة بدورها المحوري باعتبارها الدرع الحامي للوطن والركيزة الأساسية لمنظومة الدفاع والردع. وتجسد القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية فلسفة الإدارة الحديثة للأمن القومي، القائمة على التخطيط العلمي، والتنسيق المؤسسي، والجاهزية الشاملة، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات، وصون مقدراتها، واستكمال مسيرتها التنموية. وهكذا يصبح جوهر القيادة الاستراتيجية في الدولة الحديثة عقلًا يخطط، وقلبًا يدير، ومنظومة وطنية تعمل بتناغم كامل من أجل أمن الوطن واستقراره واستدامة قوته.

سياسة

الأوكتاجون يرسخ مفهوم القوة الشاملة للدولة المصرية في مواجهة تحديات الحروب الحديثة

بقلم الكاتب الإعلامي حسن حسني مساعد رئيس الحزب العربي للعدل والمساواة ​تشهد المنطقة العربية والعالم بأسره تحولات جيوسياسية متسارعة فرضت أنماطاً جديدة من الصراعات والحروب الحديثة، مما جعل الحفاظ على الأمن القومي مسألة وجودية تتطلب فكراً استراتيجياً غير تقليدي، وفي هذا السياق يمثل افتتاح صرح الأوكتاجون الجديد محطة تاريخية حاسمة تعكس رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي في بناء دولة قوية قادرة على مجابهة التحديات المحيطة بها، وتؤكد هذه الرؤية الثاقبة على الأهمية القصوى للسعي الحثيث نحو امتلاك كافة عناصر قوة الدولة بمفهومها الشامل بشقيه المادي والمعنوي لضمان الاستقرار وصون المقدرات الوطنية والعربية.​ويتجاوز مفهوم قوة الدولة مجرد امتلاك العتاد أو الوفرة الاقتصادية، بل يمتد ليشمل قدرتها الحقيقية على التأثير في سلوك الفاعلين الدوليين وتحقيق غاياتها الوطنية العليا سواء على الساحة الداخلية أو في الدائرتين الإقليمية والدولية، وتعد هذه القوة نتاجاً لتفاعل وتكامل مختلف الإمكانات والموارد المتاحة، بما يمكن الدولة من حماية أمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية وتعزيز مكانتها المرموقة في المجتمع الدولي وسط عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.​وترتكز القوة الشاملة للدول على منظومة متكاملة من المقومات المادية والمعنوية التي لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى، وتأتي في مقدمة هذه المقومات القوة السياسية التي تتمثل في كفاءة المؤسسات واستقرار النظام وقدرته على اتخاذ القرارات المصيرية وتنفيذها بكفاءة، وتتكامل هذه القوة مع المقوم الاقتصادي الذي يشكل عصب الدولة من خلال حجم الإنتاج وتوافر الموارد الطبيعية وحجم التجارة والتقدم التكنولوجي، فضلاً عن القوة البشرية المتمثلة في الكثافة السكانية المتعلمة والمؤهلة والخبرات الوطنية المتنوعة.​كما تشمل العناصر المادية القوة العلمية والتقنية القائمة على الابتكار والبحث العلمي، والقوة الثقافية والإعلامية القادرة على صياغة الرأي العام ونشر القيم والرسائل الإيجابية محلياً ودولياً، إلى جانب القوة الدبلوماسية وفاعلية بناء التحالفات الخارجية والتأثير في المنظمات الدولية، وفي المقابل تتجسد القوة المعنوية في ركيزتين أساسيتين هما التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى والإرادة السياسية الصلبة القادرة على مواجهة الأزمات وتوجيه الطاقات نحو تحقيق الأهداف المرسومة بدقة.​وتمثل القوة العسكرية الدرع الحامي لجميع هذه المقومات، وتُعرف بقدرة الدولة على حماية أراضيها ومصالحها الاستراتيجية وردع أي تهديدات خارجية محتملة وخوض الحروب عند الضرورة، ولا تقاس هذه القوة بحجم القوات المسلحة وأعداد الجنود في التشكيلات البرية والبحرية والجوية فحسب، بل تمتد لتشمل مستويات التسليح والتكنولوجيا الفائقة كأنظمة الدفاع الجوي المتطورة والقدرات السيبرانية، بالإضافة إلى جودة التدريب والكفاءة القتالية العالية وإعداد القادة والضباط بأساليب علمية حديثة.​ويرتبط نمو القوة العسكرية ارتباطاً وثيقاً بمدى جودة وبناء الصناعة العسكرية المحلية التي تسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتأمين الاحتياجات الحيوية، كما يرتكز هذا النمو على تحديث شبكة الطرق والبنية التحتية لتسهيل عمليات النقل والإمداد اللوجستي السريع، فضلاً عن الاقتصاد القوي الذي يوفر التمويل المستدام للإنفاق العسكري، بجانب كفاءة التخطيط وإدارة العمليات والقدرة على بناء التحالفات والتعاون الدفاعي مع الدول الصديقة، حيث تتكامل كل هذه الروافد لترسيخ المكانة الدولية للدولة.​وقد جاء عرض القدرات العسكرية الرفيعة الذي واكب افتتاح صرح الأوكتاجون ليعكس بوضوح أعلى درجات الجاهزية القتالية وتنوع مصادر التسليح لدى القوات المسلحة المصرية، حيث شهدت الفعاليات ظهوراً متميزاً لتشكيلات من المروحيات الهجومية ومروحيات النقل الثقيل من طراز شينوك، إلى جانب المقاتلات متعددة المهام مثل رافال وميج تسعة وعشرين وإف ستة عشر، وطائرات الإنذار المبكر والاستطلاع الجوي والنقل العسكري والتدريب، بالإضافة إلى منظومات الدفاع الجوي المتقدمة التي تؤكد التطوير الشامل لمنظومة الردع المصرية.​وتحمل هذه العروض العسكرية دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز المشهد الاحتفالي، إذ تبرز بوضوح القدرة الفائقة على القيادة والسيطرة وإدارة العمليات المشتركة بين مختلف الأفرع الرئيسية، وتثبت نجاح الدولة في تنويع مصادر تسليحها بين الأنظمة الشرقية والغربية بكفاءة استثنائية، كما تعكس الجاهزية التامة للقوات الجوية والدفاع الجوي في تأمين سماء الوطن، وتبرهن على حجم الإنجاز في تطوير البنية التحتية العسكرية ومراكز اتخاذ القرار الاستراتيجي في مصر.​إن الدولة المصرية نجحت بفعل هذا الفكر الاستراتيجي الشامل في الانتقال بمرونة واقتدار من وضعية مواجهة الأزمات ومحاصرة كرات اللهب والتهديدات المستمرة على كافة حدودها البرية والبحرية، لتصبح دولة راسخة وثابتة قادرة على مجابهة كافة أنماط الحروب الحديثة والجيل الجديد من الصراعات، وتسير بخطى واثقة نحو تعزيز مكانتها كقوة إقليمية محورية تجمع بين يديها كافة عناصر القوة المادية والمعنوية، بما يضمن صون الأمن القومي المصري والعربي ويحقق المصالح العليا للأمة.

سياسة

30 يونيو.. يوم قالت فيه مصر كلمتها

بقلم رباب اسامه في 30 يونيو 2013، نزل الملايين من المصريين إلى ميادين وشوارع مصر في مشهد لم يشهده العالم من قبل. كان الخروج تعبيرًا مباشرًا عن إرادة شعبية رفضت استمرار الأوضاع التي وصلت إليها البلاد، وطالبت باستعادة الدولة المصرية وهويتها.كانت ثورة 30 يونيو امتدادًا لثورة 25 يناير 2011، لكنها جاءت هذه المرة لتصحيح المسار. خرج الناس بمختلف أعمارهم وانتماءاتهم، رجالًا ونساءً، شبابًا وكبارًا، حاملين علم مصر، معلنين أن السيادة للشعب وأن القرار قراره.النتيجة المباشرة لثورة 30 يونيو كانت استجابة القوات المسلحة المصرية لإرادة الشعب، في 3 يوليو 2013، بإعلان خارطة طريق جديدة تقوم على انتخابات رئاسية وبرلمانية ودستور جديد. ومنذ ذلك اليوم، بدأت مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة والتركيز على مشروعات البنية التحتية والأمن والاستقرار.أهم ما ميز 30 يونيو أنها كانت ثورة بلا قيادة حزبية أو فصيل واحد. كانت ثورة شعب بأكمله قرر أن يتحمل مسؤولية وطنه بيده. ولهذا السبب يحتفل المصريون بهذا اليوم كل عام باعتباره نقطة تحول أعادت للدولة المصرية توازنها، وأكدت أن الشعب هو مصدر السلطات.ثلاث كلمات لخصت 30 يونيو: إرادة، وطن، مستقبل.

سياسة

ثورة 30 يونيو ملحمة وطنية استعادت هوية الدولة وبنت ركائز الجمهورية الجديدة

بقلم/ محمد غريب غريب ​تحل علينا الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو المجيدة، لتجسد محطة تاريخية فارقة في مسيرة الدولة المصرية الحديثة، ونقطة الانطلاق الحقيقية نحو تأسيس اركان الجمهورية الجديدة. وفي هذا السياق الوطني، تقدم الأستاذ محمد غريب غريب، الأمين العام المساعد وأمين تنظيم محافظة الشرقية لحزب الحرية المصري، بخالص التهاني القلبية وأسمى آيات التقدير والاعتزاز إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وإلى جموع الشعب المصري العظيم، بمناسبة هذه الذكرى الوطنية الخالدة التي سطر فيها المصريون بدمائهم وعزيمتهم أروع صفحات العزة والكرامة وحماية مقدرات الوطن.​وأكد قيادي حزب الحرية المصري أن هذه المناسبة الغالية تمثل فرصة متجددة للتعبير عن الدعم الكامل للقيادة السياسية الحكيمة التي عبرت بالبلاد من أمواج الفوضى إلى شواطئ الاستقرار والتنمية. وأشار إلى أن ثورة الثلاثين من يونيو ستظل علامة مضيئة فارقة في التاريخ المعاصر، وشاهدة على قدرة هذا الوطن العظيم على مواجهة التحديات المصيرية والانتصار لهويته الوطنية الأصيلة في أوقات الأزمات الكبرى.​إرادة شعبية تحطم قيود الظلام واستعادة الهوية المصرية​لقد كانت ثورة الثلاثين من يونيو لحظة فارقة عندما خرج ملايين المواطنين من أبناء الشعب المصري العظيم منتفضين ضد قوى الشر والظلام التي حاولت اختطاف الوطن في غفلة من الزمن. وامتصت الشوارع والميادين في كل أنحاء مصر المحروسة هدير الحشود الثائرة في مشهد حضاري مهيب شهد له العالم أجمع بالالتزام السلمي والوعي الشعبي الجارف، حيث صنع المصريون واحدة من أعظم الثورات في التاريخ الإنساني الحديث لإنقاذ بلادهم من نفق الفوضى المظلم وانهيار المؤسسات.​ولم تكن هذه الثورة مجرد حراك شعبي عابر بل كانت انتفاضة وعي جماعي استهدف في المقام الأول استعادة الهوية المصرية الوسطية السمحاء وحماية النسيج الوطني من محاولات التمزق والفرقة. ونجحت القوات المسلحة المصرية الباسلة في الانحياز الفوري لنداء الشعب وتوفير الحماية والمظلة الأمنية اللازمة لإنجاح هذه الإرادة الشعبية الصادقة، مما فوت الفرصة على المتربصين بأمن واستقرار الدولة في الداخل والخارج.​استلهام روح التحدي وبناء مستقبل مشرق للأجيال القادمة​إن الدولة المصرية، وهي تحتفل بهذه الذكرى العظيمة، تستلهم من روح الثورة المجيدة طاقة إيجابية متجددة وروح التحدي الصلبة في مواجهة كافة الصعاب والتحديات الاقتصادية والسياسية الراهنة. وتجدد القوى السياسية والحزبية في هذه المناسبة العهد أمام الله والشعب على بذل قصارى الجهد والعطاء، ومواصلة العمل الدؤوب من أجل بناء مستقبل أفضل يليق بمكانة مصر وتطلعات أبنائها المخلصين.​وتتكامل هذه الجهود الوطنية المخلصة مع الرؤية الاستراتيجية الشاملة التي تبنتها القيادة السياسية منذ توليها المسؤولية، والتي ركزت على إحداث تنمية مستدامة وافتتاح مشروعات قومية عملاقة في شتى القطاعات، بجانب تدعيم شبكات الحماية الاجتماعية والارتقاء بمستوى معيشة المواطن المصري في جميع محافظات الجمهورية وعلى رأسها محافظات الوجه البحري والصعيد.​تلاحم وطني ودعاء مستمر لمصر بالرفعة والأمان​وتظل الوحدة الوطنية والتماسك الشعبي بين كافة أطياف المجتمع هما الصخرة القوية التي تتحطم عليها كل المؤامرات والدسائس التي تستهدف النيل من استقرار الوطن. ويتجلى هذا التلاحم في الالتفاف الدائم للشعب خلف قيادته وجيشه ومؤسساته الوطنية، مما يعزز من مكانة مصر كركيزة أساسية للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم.​وفي ختام هذا المشهد الوطني المهيب، يتوجه المخلصون من أبناء هذا الوطن بالدعاء الصادق إلى المولى عز وجل أن يديم على شعب مصر العظيم ووطننا الغالي نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن تظل مصرنا الغالية في وحدة وتماسك مستمر بأبنائها الأوفياء المخلصين، وأن يمتع قائد مسيرتها بموفور الصحة والعافية ويسدد على طريق الخير خطاه ليقود البلاد دائما نحو الرفعة والتقدم والازدهار تحت شعار يتردد في قلوب الجميع تحيا مصر.

سياسة

مسارات الأمن الإقليمي تتصدر المباحثات الاستراتيجية بين واشنطن ودول الخليج في بيان مشترك رفيع المستوى

بقلم الكاتبة / سمر شفيق​ شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن صدور بيان مشترك رفيع المستوى بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي يحمل جملة من المواقف الاستراتيجية الحاسمة تجاه أبرز ملفات الأمن الإقليمي وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية والعلاقات الدبلوماسية مع إيران إلى جانب الأوضاع السياسية والعسكرية الراهنة في كل من لبنان والعراق.​ورحب البيان في مستهله بتوقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بين واشنطن وطهران مثمناً جهود الوساطة الحيوية التي قامت بها كل من دولة قطر وباكستان في هذا الصدد والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر ودفع مسار الدبلوماسية الوقائية في المنطقة.​وأكد الجانبان أن الحفاظ على زخم هذه المفاوضات يعد أمراً ضرورياً لإنهاء الأعمال العدائية ومنع إيران من تطوير سلاح نووي بما يضمن تعزيز ركائز الاستقرار المستدام ويمهد الطريق نحو صياغة أطر أمنية جماعية تشمل كافة الأطراف الإقليمية.​وشددت القوى المجتمعة في الوقت ذاته على أن أي استثمار اقتصادي أو تبادل تجاري مستقبلي مع طهران سيبقى مشروطاً بمدى التزامها الكامل والفعلي ببنود مذكرة التفاهم الموقعة والوصول إلى الاتفاق النهائي الشامل الذي يحظى بقبول وتأييد المجتمع الدولي.​مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي وضمانة الملاحة الدولية الحرة​وركز البيان بشكل موسع على ملف أمن الممرات المائية الحيوية في المنطقة حيث شدد الطرفان على الأهمية القصوى لإعادة فتح مضيق هرمز باعتباره شرياناً رئيسياً لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة الدولية وتدفق البضائع بين الشرق والغرب.​واعتبرت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي أن ضمان حرية الملاحة غير المقيدة في هذا الممر الاستراتيجي يمثل ركيزة جوهرية وأساسية لأمن الإقليم والعالم بأسره وهو ما يتطلب تنسيقاً أمنياً وعسكرياً مستمراً لمواجهة أي تهديدات محتملة.​وأعلن الجانبان الأمريكي والخليجي معارضتهما الشديدة لفرض أي رسوم أو ضرائب غير قانونية أو اتخاذ أي محاولات أحادية من شأنها فرض السيطرة والنفوذ أو عرقلة حركة السفن التجارية في مضيق هرمز ومحيطه الجغرافي.​مواجهة التهديدات الإقليمية وتقويض برامج التسليح غير المشروعة​وجدد البيان المشترك التأكيد على أن تحقيق السلام المستدام والشامل في الشرق الأوسط يتطلب تصدياً حاسماً وجاداً للتهديدات الإيرانية المستمرة بما يشمل البرامج المتقدمة للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة ذات الأثر المزعزع للاستقرار.​وطالب الجانبان بضرورة كف يد طهران عن دعم الفصائل المسلحة والوكلاء في المنطقة مديناً في هذا السياق الهجمات المتكررة التي تشنها جماعات عراقية موالية لإيران ضد المصالح الحيوية ودول مجلس التعاون الخليجي والتي تقوض جهود التهدئة المستمرة.​وأشار المجتمعون إلى أن بناء الثقة في الإقليم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى احترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول السيادية والتوقف عن تمويل الذراع العسكرية غير النظامية التي تهدد السلم والأمن الدوليين.​السيادة اللبنانية وحصر السلاح في يد المؤسسات العسكرية الرسمية​وعلى الصعيد اللبناني حظي الملف بمساحة واسعة من التأكيدات المشتركة حيث أعربت واشنطن والعواصم الخليجية عن التزامها الكامل والصارم بسيادة لبنان وأمنه واستقراره الداخلي ووحدة أراضيه بعيداً عن التجاذبات الإقليمية الدولية.​ورحب البيان بمسار المفاوضات الجارية بين إسرائيل ولبنان والتي تجرى برعاية أمريكية مباشرة مشدداً على ضرورة الحفاظ على زخم هذه المحادثات وفصلها تماماً عن أي نزاعات أو ملفات إقليمية أخرى قد تؤدي إلى عرقلتها أو تأخير الوصول لاتفاق.​ولفت البيان الاستراتيجي إلى أن سيادة الدولة اللبنانية لن تتحقق بشكل فعلي وحقيقي طالما احتفظت جماعات غير حكومية بقدرات عسكرية وترسانات صاروخية خارج إطار القانون والمؤسسات الشرعية للدولة.​ودعا البيان في ختامه إلى نزع سلاح كافة الجماعات المسلحة على الأراضي اللبنانية واستعادة احتكار الدولة اللبنانية الكامل للقوة وسلطة السلاح مع تقديم الدعم المطلق لقواتها المسلحة الرسمية لتمكينها من فرض الأمن والاستقرار وبسط نفوذها على كامل التراب الوطني.​رؤية مستقبلية نحو استقرار إقليمي شامل​وتأتي هذه التوافقات العميقة لتؤكد أن الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي تظل حجر الزاوية في مواجهة التحديات الراهنة ورسم ملامح مستقبل آمن ومزدهر للمنطقة برمتها.​إن الرسالة الجوهرية التي يبعث بها هذا البيان تتمثل في أن استدامة الأمن الإقليمي والدولي لا يمكن أن تتحقق بالحلول المؤقتة بل تتطلب التزاماً صارماً بالقوانين الدولية وحماية الممرات المائية وحصر السلاح في يد الدول الشرعية لضمان بيئة آمنة تدعم التنمية والازدهار لجميع شعوب المنطقة.

سياسة

 رقعة الشطرنج الحمراء و رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي

 بقلم المستشار/ سعد محمد العقبيلم يعد البحر الأحمر مجرد شريان مائي  تسير فيه ناقلات النفط وتتلاقى عبره خطوط التجارة العالمية بل خرج عن هدوئه المعتاد ليتحول وبسرعة تحبس الأنفاس إلى حلبة مفتوحة لتكسير العظام الجيوسياسية. لسنا اليوم أمام مجرد تغيرات عابرة بل نشهد زلزالا استراتيجيا من العيار الثقيل يضرب جذور القرن الأفريقي. إنها تحولات لم تعد تحاك بخجل في الغرف المغلقة بل باتت تُفرض على الأرض بلغة القواعد العسكرية والاعترافات الدبلوماسية الصادمة التي تقلب طاولة اللعب على رؤوس أصحاب النظام الإقليمي الكلاسيكي.من البوابة الإسرائيلية هبت رياح الزلزال الدبلوماسي الأخير. لم تكن زيارة رئيس أرض الصومال (صوماليلاند) إلى إسرائيل ولقاؤه بالرئيس إسحاق هرتسوغ مجرد بروتوكول سياسي عابر تلتقطه عدسات الكاميرات بل كانت بمثابة اختراق استراتيجي يطعن خاصرة الجغرافيا. توّجت هذه الزيارة باعتراف إسرائيلي رسمي تبعه قرار بالغ الاستفزاز للمشاعر العربية والإسلامية تجسد في افتتاح سفارة لـ صوماليلاند في قلب مدينة القدس. غير أن ما خلف الابتسامات الدبلوماسية والمصافحات الرسمية يحمل طابعاً أكثر ظلاما إذ تتقاطع التقارير الاستخباراتية والقراءات الاستراتيجية العميقة عند حقيقة مفزعة هذا الاعتراف ليس سوى غطاء سياسي لثمن باهظ يُدفع نقداً متمثلاً في منح جيش الدفاع الإسرائيلي موطئ قدم عسكري وقاعدة بحرية متقدمة في أرض الصومال لتستطيل بذلك أذرع تل أبيب وتطال عمق مضيق باب المندب وخليج عدن.بطبيعة الحال لم يهبط هذا التمدد الإسرائيلي المباغت بالمظلات بل نزل على مدرج مُهدت أرضيته بعناية فائقة ضمن ما بات يُعرف في أروقة السياسة بـ محور بربرة. وهنا تطل الإمارات العربية المتحدة برأسها كمهندس خفي وصانع رئيسي لهذا الواقع الجديد. لطالما نظرت أبوظبي إلى خليج عدن ليس كجغرافيا بعيدة بل كفناء خلفي وحزام استراتيجي لا غنى عنه لأمنها القومي لتنخرط بصمت وهدوء في نسج طوق محكم من القواعد العسكرية القادرة على خنق أو إطلاق الممرات المائية. وتأتي تقييمات الاستخبارات المكانية لتكشف الستار عن نمو سلس ومستمر لقاعدة عسكرية إماراتية يكتنفها الغموض في مطار وميناء بربرة. هذا الغطاء الاستراتيجي الذي وفرته الإمارات لأرض الصومال هو ذاته المظلة التي تسللت من تحتها تل أبيب إلى المسرح لتكتمل بذلك ملامح تحالف جديد ومثير يسعى لاحتكار النفوذ في أحد أكثر شرايين العالم المائية حساسية.أمام هذا الاختراق السافر للخطوط الحمراء لم تبتلع القوى الكلاسيكية في المنطقة لسانها ولم تقف مكتوفة الأيدي تراقب المشهد كالغرباء. القاهرة التي يمثل البحر الأحمر في عقيدتها امتداداً جينياً وتاريخياً لأمن قناة السويس وعموداً فقرياً لأمنها القومي أدارت محركات مطبخها الدبلوماسي بأقصى طاقة ممكنة. لقد خرجت العقيدة المصرية مؤخراً من طور التلميح إلى التصريح الصارم والمباشر راسيةً على مبدأ حديدي لا يقبل المساومة: أمن البحر الأحمر هو حق حصري وسيادي للدول المشاطئة له فقط.ولم تكن هذه العقيدة مجرد حبر على ورق أو تصريحات للاستهلاك الإعلامي بل تحولت فوراً إلى متاريس واصطفافات مضادة على الأرض. فجاءت قمة القاهرة في يونيو 2026 التي جمعت القيادتين المصرية والإريترية لتكون شرارة الانطلاق متزامنة مع تعهدات مصرية صلبة بدعم سيادة الصومال الموحد (بمقديشو) وتقوية جبهته الأمنية. هكذا تشكل حجر الزاوية لتحالف ثلاثي (مصري – إريتري – صومالي) لا يكتفي بمحاصرة الطموحات التوسعية لإثيوبيا فحسب بل ينتصب كجدار صد منيع أمام أي محاولات لقوى غريبة وغير مشاطئة كإسرائيل وأصحاب القواعد المستحدثة لفرض أمر واقع يمزق سيادة الدول الأصيلة المطلة على هذا الممر الحيوي.وعلى الضفة العربية والإسلامية الأوسع جاء افتتاح سفارة أرض الصومال في القدس المحتلة ليلقي بعود ثقاب في حقل شديد الجفاف. لم تتأخر بيانات الإدانة المشتعلة التي توالت من وزارات خارجية الدول العربية والإسلامية وفي طليعتها سلطنة عمان عن وصف الخطوة بانتهاك صارخ ومستفز للقانون الدولي. إلا أن بين سطور هذا الشجب كان يكمن قلق عميق وحقيقي من انزلاق منطقة القرن الأفريقي بالكامل في مستنقع لعبة المحاور القاتلة التي لا تبقي ولا تذر.في النهاية تفرض سياسة الأمر الواقع حقيقة واحدة لا لبس فيها لقد بدأت المياه الدافئة للبحر الأحمر في الغليان الفعلي. إن هذه التحالفات الطارئة التي تتغذى على دبلوماسية القواعد العسكرية ومقايضة العزلة السياسية للكيانات الانفصالية تدفع بالمنطقة بأسرها نحو حافة صراع مفتوح على مصراعيه. نحن اليوم شهود على لحظة تاريخية يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ بمداد من البارود والجغرافيا وفي هذه اللعبة القاسية سقطت مقاعد المتفرجين فالإقليم يقف بأكمله فوق صفيح شديد السخونة وأي خطأ ولو كان هامشياً في الحسابات الدبلوماسية أو العسكرية من أي طرف سيكون كفيلاً بإغراق المنطقة في دوامة فوضى عارمة ستضرب ارتداداتها العنيفة شواطئ العالم بأسره.

Scroll to Top