مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي… حين انتصرت السينما للحياة وكتبت العاصمة الاقتصادية فصلًا جديدًا في الذاكرة العربية
بقلم: عبير وحيدصحفية ومستشارة إعلامية لم تعد المهرجانات السينمائية في العالم العربي مجرد محطات سنوية لعرض الأفلام أو توزيع الجوائز الفخرية، بل أصبحت فضاءات حقيقية للحوار الثقافي ومنابر ممتازة تحتفي بالإبداع المستمر. تأتي هذه الفعاليات لتؤكد أن السينما قادرة ببراعة على مد الجسور بين الشعوب وحفظ الذاكرة الإنسانية، مع إعادة طرح الأسئلة الجوهرية التي تشغل الإنسان العربي في حاضره ومستقبله.ومن هذا المنطلق الراسخ، يواصل مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي ترسيخ مكانته المرموقة عامًا بعد آخر، باعتباره أحد أبرز المواعيد السينمائية التي تجمع صناع الفن السابع من مختلف أنحاء الوطن العربي. وتحتضن هذا الحدث مدينة عُرفت دائمًا بانفتاحها الثقافي واحتضاناتها المتواصلة لكل أشكال الإبداع والفنون.وجاءت الدورة السابعة للمهرجان لتؤكد هذا الحضور المتنامي والتميز المشهود، من خلال برنامج سينمائي متنوع وزاخر بالأعمال الفنية اللائتة. جمع البرنامج بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والأفلام الوثائقية المتميزة، إلى جانب الندوات الفكرية وجلسات الماستر كلاص واللقاءات المفتوحة مع نخبة من المخرجين والممثلين والنقاد.شكلت هذه الفعاليات تجربة ثقافية متكاملة تجاوزت حدود الشاشة الفضية لتلامس قضايا الإنسان العربي وهمومه وتطلعاته. ومع إسدال الستار على فعاليات هذه الدورة، لم يكن المشهد مجرد احتفال روتيني بإعلان الفائزين، بل كان احتفاءً حقيقيًا بالسينما العربية في أبهى صورها وبقدرتها على فتح مساحات جديدة للتفكير والحوار والتعبير الحر.نجوم الفن السابع يضيئون سماء الدار البيضاءولعل أكثر ما ميّز هذه الدورة الاستثنائية هو الحضور الوازن لكوكبة من الفنانين والمخرجين وصناع السينما العرب الذين أضفوا بريقًا خاصًا على الفعاليات. وفي مقدمتهم برز الفنان المصري محمد فراج، الذي قدّم خلال جلسة الماستر كلاص تجربة ملهمة استعرض فيها محطات فارقة من مسيرته الفنية.وتحدث فراج بشغف عن أهمية الصدق في الأداء التمحيصي واحترافية العمل احترامًا لعقل المشاهد، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي والمتواصل لا يتحقق إلا بالاجتهاد والاستمرار في تطوير الذات.كما كان حضور الفنانة المصرية القديرة سماح أنور محطة لافتة ومحورية في المهرجان، نظرًا لما تمثله من قيمة فنية وتاريخية كبيرة في السينما والدراما العربية. وقد تميزت بتواضعها العالي وعفويتها الصادقة وقربها من محبيها والوسائل الإعلامية، مما عكس الوجه الإنساني الأصيل للفنان الحقيقي الذي يظل وفيًا لجمهوره في كل المحافل.وشهدت الدورة كذلك مشاركة مميزة من المخرج المغربي نبيل عيوش، الذي يعد من أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ حضور السينما المغربية على الساحة الدولية. وانضم إليه المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، والمخرجة السعودية هند الفهاد، إلى جانب نخبة من المخرجين والمنتجين والنقاد والإعلاميين الذين أثروا النقاشات الفكرية واللقاءات التفاعلية.تكريمات مستحقة وجوائز تنافسية في قلب الحدثوكان للتكريمات التي خصصها المهرجان هذا العام وقع خاص وإشادة واسعة، إذ جاءت اعترافًا مستحقًا بمسارات فنية أثرت الساحة وتركت بصمة واضحة في تاريخ السينما العربية. وأوصل هذا التكريم رسالة نبيلة تؤكد أن الاحتفاء بالمبدعين لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالأعمال السينمائية ذاتها، وأن الوفاء لأهل العطاء يظل من القيم الأساسية التي يكرسها المهرجان.وعلى مستوى المنافسة الرسمية، حملت النتائج المعلنة الكثير من الدلالات الفنية والجمالية. حيث توّج الفيلم المصري “شكوى رقم 713317” للمخرج ياسر شفيعي بالجائزة الكبرى للمهرجان، بعد أن حظي بإشادة واسعة من لجنة التحكيم لتميز معالجته الإنسانية العميقة ولغته السينمائية الناضجة التي تؤكد أن السينما المصرية ما زالت تتألق في تقديم أعمال تلامس الواقع.وعادت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى الفيلم العراقي “فلانة” للمخرجة زهراء غندور، في تتويج يعكس قوة الحضور النسائي في مجال الإخراج العربي. بينما نال الفنان المصري الكبير محمود حميدة جائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز في فيلم “شكوى رقم 713317”.وتُوجت الممثلة التونسية زينب المالكي بجائزة أفضل ممثلة عن أدائها اللافت الذي حظي بإعجاب الجمهور والنقاد على حد سواء. ولم تغب السينما المغربية عن منصات التتويج، إذ حصد فيلم “النمل” للمخرج ياسين فنان جائزة أفضل سيناريو، بينما فاز الفيلم الوثائقي “بحيرة الأيتام” للمخرج سالم بلال بجائزة أفضل فيلم وثائقي.أبعاد إنسانية وشهادة من قلب التغطية الإعلاميةإن قيمة المهرجانات السينمائية الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الجوائز الممنوحة، بل بما تخلقه من لقاءات إنسانية ومهنية وتواصل مستمر بين الفنانين والإعلاميين والجمهور. وبوصفي صحفية شهدت فعاليات حفل الاختتام، لم تكن المشاركة مجرد تغطية صحفية لحدث ثقافي، بل كانت تجربة غنية أتاحت لي فرصة التواصل مع قامات فنية وثقافية ودبلوماسية بارزة.ومن اللحظات الراسخة في الذاكرة، لقائي بالفنانة القديرة سماح أنور التي تجلت فيها الإنسانية والتواضع، إضافة إلى الحوارات المثرية مع المخرج المغربي نبيل عيوش والمخرج المصري ياسر شفيعي. وكذلك اللقاء البارز مع سعادة السفير اليمني السيد عزالدين الاصبحي، وهي التفاعلات التي أكدت لي أن السينما تصنعها القيم الإنسانية والاحترام المتبادل قبل كاميرات التصوير.إن ما تحقق من نجاح باهر في هذه الدورة يعكس رؤية تنظيمة واضحة وجُهدًا جماعيًا يقوده المهرجان برئاسة الأستاذة فاطمة النوالي، رفقة فريق عمل احترافي آمن بأن التظاهرات الثقافية الكبرى تُبنى بالعمل المؤسسي والدقة في التنظيم والاهتمام بالتفاصيل. ونجحت هذه الرؤية في تقديم صورة مشرقة عن مدينة الدار البيضاء كمركز إشعاع ثقافي وفني في المنطقة.تغادر الجماهير والضيوف القاعات وهم يحملون قناعة راسخة بأن السينما العربية، رغم كل التحديات، ما زالت تنبض بالحياة وتجمع القلوب والمشاعر. ويبقى مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي مشروعًا ثقافيًا متكاملاً يمنح الفن مكانته المستحقة ويفتح للجميع مساحات واسعة للحلم والأمل.هل تعتقد أن المهرجانات السينمائية العربية نجحت في إيصال قضايا الإنسان العربي إلى العالم بأسلوب سينمائي ناضج؟









