جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

صحة

صحة

الإسعافات الأولية ودورها في إنقاذ الأرواح والتعامل مع الحالات الطارئة

د/ نصر محمد محمد الطحان الإسعافات الأولية خطوة حاسمة لحماية الحياةتُعد الإسعافات الأولية من المهارات الأساسية التي ينبغي أن يمتلكها أفراد المجتمع، لما لها من دور مهم في التعامل مع الحوادث والإصابات المفاجئة قبل وصول الفرق الطبية المتخصصة. فالتصرف السليم في اللحظات الأولى قد يساعد على الحفاظ على حياة المصاب، والحد من تدهور حالته، وتقليل المضاعفات الناتجة عن الإصابة أو المرض المفاجئ.ولا تقتصر أهمية الإسعافات الأولية على العاملين في المجال الطبي، بل تمتد إلى كل شخص قد يجد نفسه أمام حالة طارئة في المنزل أو الشارع أو مكان العمل، إذ يسهم الوعي بالإجراءات الأساسية في تقديم المساعدة بصورة أكثر أمانًا وفاعلية.ما المقصود بالإسعافات الأولية؟الإسعافات الأولية هي الرعاية العاجلة التي تُقدَّم إلى شخص تعرض لإصابة أو عارض صحي مفاجئ، قبل وصول المساعدة الطبية المتخصصة. وتهدف إلى الحفاظ على الحياة، ومنع تفاقم الحالة، وتوفير الدعم الأولي للمصاب حتى يتلقى الرعاية اللازمة.وتعتمد فاعلية هذه الإجراءات على سرعة الاستجابة، وتقييم الموقف بصورة صحيحة، ومعرفة حدود التدخل الآمن، إلى جانب طلب خدمات الطوارئ دون تأخير عندما تستدعي الحالة ذلك.تأمين موقع الحادث أولًاتبدأ الاستجابة لأي حادث بالتأكد من سلامة المكان، لأن اندفاع المسعف إلى موقع الخطر دون تقييمه قد يؤدي إلى إصابته أو زيادة عدد المتضررين. لذلك ينبغي الانتباه إلى حركة المرور، ومصادر الكهرباء، والحرائق، وأي مخاطر أخرى قد تهدد المصاب أو الأشخاص الموجودين في المكان.بعد التأكد من إمكانية الاقتراب بأمان، يُفحص مدى استجابة المصاب من خلال مناداته وملاحظة تفاعله، مع تجنب تحريكه دون ضرورة، خاصة عند الاشتباه في إصابة بالعمود الفقري أو الرأس.وفي الحالات الخطيرة، يجب الاتصال بالإسعاف المصري على الرقم 123، وتوضيح طبيعة الحادث وموقعه بدقة وعدد المصابين، مع الالتزام بتعليمات موظف الطوارئ حتى وصول المساعدة.انسداد مجرى الهواء والاختناقيُعد انسداد مجرى الهواء من الحالات التي تتطلب سرعة في التقييم والتصرف، إذ قد ينتج عن وجود جسم غريب، مثل الطعام أو إحدى القطع الصغيرة، داخل مجرى التنفس. كما يمكن أن يؤدي فقدان الوعي إلى انسداد المجرى الهوائي نتيجة ارتخاء الأنسجة المحيطة به.وتختلف طريقة التعامل مع الاختناق وفقًا لشدة الانسداد وقدرة المصاب على السعال والكلام والتنفس. فإذا كان المصاب قادرًا على السعال بقوة وإخراج الأصوات، فينبغي تشجيعه على مواصلة السعال ومراقبة حالته، مع الاستعداد للتدخل إذا ظهرت علامات تدهور.أما إذا عجز عن التنفس أو الكلام أو السعال بفاعلية، فهذه علامات على انسداد شديد يستدعي طلب المساعدة فورًا وتطبيق إجراءات الإسعاف المناسبة وفق العمر والإرشادات المعتمدة.التعامل مع الاختناق لدى البالغين والأطفالتتطلب حالات الاختناق الشديد لدى البالغين والأطفال الأكبر سنًا تدخلًا سريعًا باستخدام المناورات المناسبة لإزالة الانسداد، مع مراعاة اختلاف الإجراءات بحسب عمر المصاب وحالته الصحية. وتُعد معرفة الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذه الحالات من المهارات التي ينبغي تعلمها عمليًا من خلال التدريب المعتمد على الإسعافات الأولية.أما في حالات الحمل المتقدم أو السمنة الشديدة، فقد تختلف مواضع الضغط المستخدمة لإزالة الانسداد، وهو ما يستلزم الالتزام بالتدريب المتخصص وعدم تطبيق إجراءات غير مناسبة للحالة.الإسعافات الأولية للاختناق لدى الرضعيحتاج الرضيع إلى أسلوب مختلف في التعامل مع الاختناق نظرًا إلى صغر حجمه وحساسية أعضائه. وتشمل الإجراءات الإسعافية المعروفة توجيه خمس ضربات على الظهر تتبعها خمس ضغطات على الصدر بالتناوب عند وجود انسداد شديد، مع دعم الرأس والرقبة بصورة صحيحة.ويجب تجنب الضغطات البطنية للرضع، وعدم إدخال الأصابع داخل الفم بصورة عشوائية لمحاولة إخراج الجسم الغريب، لأن ذلك قد يدفعه إلى الداخل ويزيد خطورة الحالة. ويُفضل تعلم هذه الخطوات عمليًا تحت إشراف مدرب مؤهل.الإنعاش القلبي الرئوي وأهميته في الطوارئيُستخدم الإنعاش القلبي الرئوي عند الاشتباه في توقف القلب، بهدف المحافظة على تدفق الدم والأكسجين إلى الأعضاء الحيوية، ولا سيما الدماغ، إلى حين وصول المساعدة الطبية المتخصصة.وتزداد أهمية التدخل المبكر في هذه الحالات، لأن انقطاع الدورة الدموية قد يؤدي إلى تلف الأعضاء الحيوية خلال فترة قصيرة. ولهذا فإن التعرف على علامات توقف القلب وبدء الإجراءات المناسبة بسرعة يمكن أن يحدث فرقًا مهمًا في فرص النجاة.خطوات التعامل مع توقف القلب لدى البالغينعند العثور على شخص لا يستجيب ولا يتنفس بصورة طبيعية، ينبغي طلب الإسعاف وطلب جهاز مزيل الرجفان الخارجي الآلي إن توفر، ثم البدء بالإنعاش القلبي الرئوي إذا كان المسعف مدربًا أو اتباع تعليمات موظف الطوارئ.ويتضمن الإنعاش القلبي الرئوي للبالغين ضغطات صدرية قوية وسريعة في منتصف الصدر، بمعدل يتراوح بين 100 و120 ضغطة في الدقيقة، وبعمق يقارب خمسة إلى ستة سنتيمترات، مع السماح للصدر بالعودة إلى وضعه الطبيعي بين الضغطات.وبالنسبة إلى المسعف المدرَّب والقادر على تقديم التنفس الإنقاذي، تُستخدم عادة دورة من 30 ضغطة صدرية يتبعها نفسان إنقاذيان. أما من لا يمتلك التدريب أو لا يستطيع تقديم التنفس الإنقاذي، فيمكنه إجراء الضغطات الصدرية المستمرة وفق تعليمات الطوارئ.ويُعد استخدام جهاز مزيل الرجفان الخارجي الآلي، عند توفره، خطوة مهمة، إذ يقدم الجهاز تعليمات صوتية تساعد الموجودين على استخدامه بطريقة صحيحة.الإنعاش القلبي الرئوي للأطفال والرضعتختلف بعض تفاصيل الإنعاش القلبي الرئوي للأطفال والرضع عن البالغين، نظرًا إلى اختلاف حجم الجسم وطبيعة الاستجابة الإسعافية المطلوبة. ويجب أن تتناسب قوة الضغطات وعمقها وطريقة تنفيذها مع عمر الطفل وحجمه.وفي حالات الأطفال والرضع، تُراعى كذلك أولوية طلب المساعدة وتوقيت الاتصال بالطوارئ وفق ظروف الحالة ومستوى تدريب المسعف. لذلك فإن التدريب العملي على إنعاش الأطفال والرضع يمثل جزءًا مهمًا من الاستعداد للتعامل مع حالات توقف القلب والتنفس.كيفية فحص التنفس والاستجابةيتطلب تقييم المصاب ملاحظة مستوى الوعي والتنفس بصورة سريعة. فإذا كان الشخص لا يستجيب، ينبغي طلب المساعدة وفحص التنفس الطبيعي دون إطالة الوقت، مع تجنب الخلط بين التنفس الطبيعي والحركات التنفسية غير المنتظمة التي قد تظهر عند توقف القلب.وعند الاشتباه في توقف القلب، لا ينبغي إضاعة الوقت في محاولات مطولة لفحص النبض بواسطة شخص غير مدرب، بل يجب الاتصال بالطوارئ وبدء الإنعاش القلبي الرئوي وفق الإرشادات المعتمدة.أما إذا كان المصاب فاقدًا للوعي لكنه يتنفس بصورة طبيعية، فيجب مراقبة تنفسه وطلب المساعدة الطبية. ويمكن وضعه في وضع الإفاقة إذا لم توجد إصابة يُشتبه معها في إصابة العمود الفقري، مع مراعاة أن حماية مجرى الهواء تظل أولوية في الحالات الطارئة.التنفس الإنقاذي وفتح مجرى الهواءيُعد فتح مجرى الهواء خطوة أساسية عند الحاجة إلى تقديم التنفس الإنقاذي، إذ يمكن أن يؤدي انسداد المجرى إلى منع وصول الهواء إلى الرئتين. وتُستخدم طريقة إمالة الرأس إلى الخلف ورفع الذقن في الحالات المناسبة، مع مراعاة الاشتباه في إصابات الرقبة أو العمود الفقري.وعند تقديم التنفس الإنقاذي بواسطة شخص مدرب، ينبغي التأكد من إحكام إغلاق الفم أو استخدام وسيلة الحماية المناسبة، وملاحظة ارتفاع الصدر مع دخول الهواء. وإذا لم يرتفع الصدر، فقد يستدعي الأمر إعادة ضبط وضعية الرأس وفتح مجرى الهواء والتحقق من وجود انسداد.وتساعد وسائل الحماية المخصصة للتنفس الإنقاذي على تقليل احتمالات انتقال

صحة

دليل الإسعافات الأولية للكسور والحروق وأخطاء خطيرة يجب تجنبها

​بقلم د/ نصر محمد محمد الطحان​ تعتبر الدقائق الأولى عقب التعرض للإصابات المختلفة بمثابة الفارق الحقيقي بين التعافي السريع والتدهور الصحي والإصابة بمضاعفات دائمة، حيث تؤكد الحقائق الطبية أن النسبة الأكبر من مضاعفات إصابات العظام والجلد تحدث نتيجة التصرفات الخاطئة المتخذة فور وقوع الحادث وقبل الوصول إلى مراكز الرعاية الطبية.​ويتطلب التعامل مع حالات الطوارئ اليومية مثل الكسور والحروق توفر الوعي الكافي بأساسيات الإسعافات الأولية، وذلك لضمان حماية المصابين وتقليل حدة الأضرار الجسدية الناجمة عن تلك الإصابات إلى حين خضوعهم للفحص الطبي المتخصص داخل المستشفيات.​تحدث إصابات العظام نتيجة تعرض الهيكل العظمي لضغط ميكانيكي يتجاوز قدرته الطبيعية على التحمل، ولا يشترط لسماع صوت انكسار للتحقق من حدوث الإصابة، إذ يعد الشعور بألم حاد وملاحظة التورم دليلاً كافياً يتطلب التعامل المباشر مع الحالة باهتمام بالغ.​وتتعدد الأسباب المؤدية لهذه الإصابات وفق الفئات العمرية المختلفة، حيث تكثر إصابات الساعد لدى الأطفال نتيجة السقوط أثناء اللعب، بينما تتزايد إصابات القدم والركبة بين الشباب جراء حوادث السير، وتزداد مخاطر تعرض كبار السن لكسور الحوض والفخذ نتيجة السقوط البسيط المتأثر بهشاشة العظام.​ويمكن الاستدلال على وجود إصابة بالغة في العظام من خلال ملاحظة استمرار الألم الشديد حتى أثناء الراحة التامة، وظهور تورم ملحوظ مع تغير لون الجلد إلى الأزرق بشكل سريع، بالإضافة إلى تغير الشكل الطبيعي للطرف المصاب أو فقدان القدرة التامة على تحريكه.​ويقتضي البروتوكول الطبي المعتمد في التعامل مع إصابات العظام تطبيق مجموعة خطوات أساسية تبدأ بالتثبيت الفوري للطرف المصاب باستخدام أي أداة صلبة متوفرة وتثبيتها برباط محكم لمنع الحركة، يلي ذلك وضع كيس من الثلج الملفوف بقماش على موضع التورم لمدة خمس عشرة دقيقة لتقليل حدة الألم والانتفاخ، ثم نقل المصاب فوراً إلى أقرب مركز طبي مع إبقاء الجزء المصاب مرفوعاً إن أمكن.​وفي الحالات الشديدة التي يخرج فيها العظم المكسور خارج مستوى الجلد، وتعرف بالكسور المفتوحة، يتوجب تغطية الجرح فوراً بقطعة قماش أو شاش معقم دون محاولة غسله أو تحريك العظام، للحد من مخاطر العدوى البكتيرية والتلوث المباشر، والإسراع بنقل المصاب إلى الطوارئ.​ويحذر الخبراء من ارتكاب أخطاء شائعة قد تؤدي إلى قطع الأوعية الدموية أو تلف الأعصاب، مثل محاولة إعادة العظام إلى موضعها الطبيعي يدوياً، أو تدليك مكان الإصابة، أو ربط الجبيرة بشكل شديد يعيق التدفق الدموي إلى الأطراف، فضلاً عن تقديم الأطعمة والمشروبات للمصاب في حال الاحتياج إلى تدخل جراحي عاجل.​وتتعدد درجات الإصابة بالحروق بناءً على عمق التلف اللاحق بطبقات الجلد، حيث تقتصر حروق الدرجة الأولى على احمرار وتألم الطبقة السطحية، بينما تشمل حروق الدرجة الثانية ظهور فقاقيع مائية وآلام شديدة تتطلب عناية خاصة لمنع الالتهاب، في حين تمثل حروق الدرجة الثالثة والرابعة حالات حرجة يتغير فيها لون الجلد إلى الأبيض أو الأسود المتفحم مع غياب الشعور بالألم نتيجة تلف الأعصاب.​ويستوجب الإسعاف الأول السليم للحروق تعريض الجزء المصاب لماء جاري فاتر لمدة خمس عشرة دقيقة متواصلة لوقف امتداد التأثير الحراري داخل الأنسجة، يتلوه تغطية المنطقة بشاش فازلين معقم أو غطاء نظيف لحمايتها من الميكروبات والملوثات الخارجية، ثم توجه المصاب للرعاية الطبية إذا كانت المساحة المصابة واسعة أو واقعة في أجزاء حساسة كالوجه والمفاصل.​وتتطلب بعض الحالات الناجمة عن المواد الكيميائية غسل المنطقة المصابة بماء وفير لمدة عشرين دقيقة كاملة بعد نزع الملابس الملوثة فوراً، أما في حروق الكهرباء فيجب فصل المصدر الكهربائي أولاً قبل الاقتراب من المصاب، ثم تطبيق الإسعافات المائية ونقله فوراً للمستشفى لتقييم التأثيرات الداخلية المحتملة على العضلة القلبية.​ويشدد المتخصصون على تجنب السلوكيات الخاطئة المنتشرة في التعامل مع الحروق، والتي تشمل وضع معجون الأسنان أو الزبدة والزيوت أو الثلج المباشر على الجلد، بالإضافة إلى الامتناع التام عن ثقب الفقاقيع المائية المكونة أو استخدام القطن الطبي التقليدي الذي يتلتصق بالأنسجة المتضررة.​وتكتسب إجراءات الفحص الميكروبيولوجي أهمية بالغة في حالات الحروق المتقدمة والكسور المفتوحة، حيث ينصح بإجراء مسحة ومزرعة للجروح خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من الإصابة للتحديد الدقيق للمضاد الحيوي المناسب، وتفادي مخاطر التلوث البكتيري وتسمم الدم.​تظل التوعية المستمرة وتطبيق معايير السلامة المنزلية والمهنية السد المنيع للحد من وقوع الحوادث الشائعة وحماية الأفراد من مخاطرها الجسيمة.​هل تمتلك في منزلك حقيبة إسعافات أولية متكاملة للتعامل مع حالات الطوارئ المفاجئة؟

صحة

بقلم د/إيمان السيد حين نتحدث عن معاناة الإنسان، غالبًا ما تذهب أذهاننا إلى الألم الواضح: مرضٌ ينهك الجسد، أو فقرٌ يضيّق الحياة، أو فقدٌ يترك في القلب فراغًا لا يملؤه شيء.لكن هناك وجعًا آخر لا يُرى بسهولة، وربما لهذا كان أكثر قسوة؛ أن يعيش الإنسان ألمه وهو يشعر أن لا أحد يفهمه.أن يتحدث، فيُساء فهم كلامه.أن يشرح، فلا يصل شرحه.أن يتصرف تحت ضغطٍ ما، فيُحاكم على تصرفه دون أن يسأل أحد عن الضغط الذي دفعه إليه.إنها العزلة التي لا تحتاج إلى أن يكون الإنسان وحيدًا.قد يجلس المرء وسط أسرته وأصدقائه وزملائه، ويتحدث ويضحك ويشاركهم تفاصيل يومه، بينما يحمل في داخله شعورًا صامتًا بأنه غير مرئي على حقيقته.وهنا تظهر قيمة إنسانية شديدة الأهمية: التفهم.التفهم ليس أن توافقني على كل ما أقول، ولا أن تعتبر كل تصرف يصدر مني صحيحًا لمجرد أنك تحبني. وليس معناه أن نتنازل عن الحدود أو نلغي المسؤولية.التفهم أبسط وأعمق من ذلك.أن تحاول أن ترى الإنسان قبل أن ترى خطأه.أن تسأل عن أسبابه قبل أن تصدر حكمك على نتائجه.أن تدرك أن الانفعال الذي تراه أمامك قد يكون مجرد الجزء الظاهر من قصة طويلة لم تشهد بدايتها.فالإنسان لا يأتي إلى المواقف مجردًا من تاريخه. يحمل طفولته، وخبراته، وخيباته، ومخاوفه، واحتياجاته، وكل ما مر به قبل أن يصل إلى اللحظة التي تراه فيها.ولهذا فإن ما يبدو لنا أحيانًا مبالغة، قد يكون عند صاحبه ألمًا حقيقيًا. وما نراه ضعفًا قد يكون نتيجة سنوات من الاحتمال. وما نفسره على أنه عناد، قد يكون محاولة يائسة لاستعادة شيء من السيطرة على حياة يشعر صاحبها أنها خرجت من يده.وهنا لا يصبح التفهم رفاهية عاطفية، بل يصبح نوعًا من العدالة الإنسانية.ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بمن حوله أن يجعلهم يشعرون بقيمتهم.فالقوة الحقيقية ليست في أن تملأ المكان حضورًا حتى يصغر الآخرون بجوارك، وليست في أن تجعل من أمامك يخشى الحديث حتى لا يخطئ.هناك فرق كبير بين شخص يفرض هيبته، وشخص يمنحك الأمان.الأول يجعلك حذرًا من نفسك.أما الثاني، فيجعلك أكثر قدرة على أن تكون نفسك.ولذلك فإن بعض الأشخاص، بمجرد أن تجلس معهم، تشعر أنك أصبحت أفضل مما كنت عليه قبل اللقاء. ليس لأنهم أغرقوك في المديح، وإنما لأنهم أصغوا إليك باهتمام، واحترموا رأيك، ولم يستخدموا نقاط ضعفك ضدك.ذلك هو النضج في أجمل صوره: أن تكون قادرًا على أن تترك في الآخرين مساحة تكفيهم، بدلًا من أن تحتاج إلى احتلال المساحة كلها.ومن التفهم نصل إلى قيمة أخرى لا تقل أهمية: الذوق.والذوق في العلاقات ليس مجرد كلمات مهذبة أو ابتسامة اجتماعية.الذوق الحقيقي هو أن تعرف أثر حضورك في نفوس الآخرين.أن تعرف متى تسأل، ومتى لا تسأل.متى تقدم النصيحة، ومتى يكون الصمت أكثر رحمة.متى تواجه، ومتى يكون التغافل أكرم.فليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تلاحظه يحتاج إلى تعليق، وليس كل خطأ تراه يستحق أن تضع صاحبه أمامه في كل مرة.وفي السيرة النبوية نجد نموذجًا بالغ الرقي لهذا المعنى؛ فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم ألا يجعل كل ما يراه أو يسمعه بابًا للتعنيف والاستقصاء، بل كان يعرف متى يتغافل، ومتى يعرض، ومتى يوجه.إن الإنسان الراقي لا يستخدم معرفته بالآخرين لإحراجه.ولا يحول لحظات ضعفهم إلى مادة للعتاب.ولا يجعل قربهم منه سببًا لانتهاك خصوصيتهم.فكلما اقتربنا من إنسان، ازدادت مسؤوليتنا عن مشاعره، لا سلطتنا عليه.ولأن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن الآخرين، فإن هذه القيم لا تصنع علاقات أفضل فقط، بل تصنع مجتمعًا أكثر قدرة على التعايش.مجتمع يتعلم فيه الطفل أن الاختلاف لا يعني العداوة.وأن الخطأ لا يلغي قيمة صاحبه.وأن الاستماع لا يعني الضعف.وأن محاولة فهم الآخر لا تعني التخلي عن قناعاتنا.فالمجتمعات لا تتشقق فجأة؛ كثيرًا ما تبدأ المسافة بكلمة قاسية، أو حكم متسرع، أو سوء ظن لم يحاول أحد أن يراجعه.كلما اتسعت قدرتنا على فهم البشر، ضاقت حاجتنا إلى تصنيفهم.وهنا تتسع دائرة «نحن»، وتضيق دائرة «هم».ربما لا نستطيع أن نمنع المرض عن كل من نحب، ولا أن نحل كل مشكلاتهم، ولا أن نرفع عنهم كل أعباء الحياة.لكننا نستطيع أحيانًا أن نقدم شيئًا أبسط وأعمق:أن نصغي.أن نتأنى قبل الحكم.أن نسأل بدل أن نفترض.أن نمنح الإنسان فرصة ليحكي قصته كاملة قبل أن نكتب نحن نهايتها.فليس كل من أخطأ سيئًا، وليس كل من غضب قاسيًا، وليس كل من انسحب متكبرًا، وليس كل من صمت بخير.وراء البشر تفاصيل لا تظهر في اللقاء الأول.ولهذا، قبل أن تقول عن شخص: «أنا أعرفه»، تذكر أنك ربما تعرف فقط الجزء الذي استطاع أن يظهره لك.وفي عالم يزداد فيه الكلام، ربما أصبح الإصغاء نوعًا من الرحمة.وفي زمن تكثر فيه الأحكام السريعة، أصبح التمهل شكلًا من أشكال الحكمة.وفي حياة يمر فيها الجميع بشيء لا نراه، ربما يكون أجمل ما نستطيع أن نمنحه لبعضنا هو أن يشعر الإنسان، ولو للحظات، أنه مفهوم دون أن يضطر إلى الدفاع عن نفسه طوال الوقت.فمن الشخص الذي يحتاج منك اليوم إلى أذنٍ تسمعه، لا إلى حكمٍ عليه؟

صحة

أمانة الجسد وحقوق التمكين.. الرؤية الإسلامية والتكنولوجيا الحديثة في التأهيل الحركي. A Custódia do Corpo e os Direitos de Inclusão: A Visão Islâmica e a Tecnologia Moderna na Reabilitação Motora

بقلم محمد السيد الحمد تشكل أمانة الجسد وحقوق التمكين ركيزة أساسية في فلسفة الفكر التشريعي والطب الحديث على حد سواء، حيث تتكامل المفاهيم الإيمانية مع التقنيات الطبية المتطورة لإعادة رسم خريطة التأهيل الحركي للأشخاص ذوي الإعاقة. وتؤكد الرؤية التشريعية أن حقوق ذوي الهمم ليست مجرد نتاج للاتفاقيات الدولية المعاصرة، بل هي أصل عقائدي راسخ أقرته الشريعة الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، متخذة من التكريم الإلهي المطلق للإنسان مبدأ ثابتاً لا يتأثر بالسلامة البدنية.​وفي هذا السياق، استعرضت دراسة متخصصة عابرة للقارات أعدها الباحث محمد السيد إسماعيل، خبير التأهيل الحركي والمدرب الأولمبي السابق، بالتعاون مع المحامية الدولية أنجيليكا غونسالفيش، عضو مجلس المساعدة الاجتماعية ومجلس حوار الأديان بولاية ريو دي جانيرو بالبرازيل، المقاربة المتكاملة بين مقاصد التشريع والابتكارات التكنولوجية. وأوضح الباحثون أن الإسلام أسس لمنظومة حماية متكاملة جعلت من رعاية ذوي الإعاقة وتأهيلهم فرض كفاية وواجباً جماعياً على المجتمع، مجسداً أبهى صور الدمج الشامل في النماذج التاريخية والقيادية.​وتتجلى العلوم الحديثة في العلاج الوظيفي والتأهيل الحركي كأدوات تطبيقية لحفظ النفس وعمارة الأرض. وأكدت النتائج الميدانية أن استعادة الاستقلالية البدنية تستلزم إحداث تحول شامل يعتمد على المثلث الذهبي القائم على الحركة الموجهة والتغذية الصحية المتكاملة والدعم النفسي الإكلينيكي. وتسهم هذه المنظومة الثلاثية في رفع كفاءة الاستجابة العصبية والبدنية للمرضى بشكل ملحوظ.​وأبرزت الدراسة حالة سريرية للشاب أندريه صاحب الأربعة وثلاثين عاماً، والذي تعرض لشلل كامل في الساقين إثر إصابة صدمية في الحبل الشوكي الصدري. وفي الوقت الذي تتطلب فيه تحفيز المرونة العصبية في القشرة الحسية الحركية إجراء نحو ألف تكرار حركي يومياً، وهو ما يعجز عنه العلاج الطبيعي التقليدي بسبب الإجهاد، نجحت تقنيات الهياكل الخارجية الروبوتية في تمكينه من قطع ألف وأربعمائة خطوة خلال ساعة واحدة فقط.​وتشير الحقائق العلمية إلى أن النجاح الحركي يعتمد بشكل مباشر على التغذية المتخصصة المصممة علمياً لتقليل الالتهابات العضلية وتحسين التمثيل الغذائي. وينتج عن هذا التناغم بين النشاط البدني والنظام الغذائي إفراز النواقل العصبية التي تمنح المريض الاستقرار النفسي والسلام الداخلي، مع تحويل العجز الحركي إلى طاقة إنتاجية مصونة بموجب أطر قانونية حاسمة مثل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المصري رقم 10 لعام 2018.​إن التكامل بين التشريعات العادلة والتقنيات الروبوتية الحديثة يمثل المسار الحقيقي لنقل حقوق ذوي الهمم من السجلات النظرية إلى الواقع العملي الملموس. وتظل عملية إعادة التأهيل الحركي والنفسي التزاماً إنسانياً وأخلاقياً يضمن حياة كريمة واستقلالية كاملة لكل فرد في المجتمع.​هل ترى أن دمج التقنيات الروبوتية في مراكز التأهيل العربية قادر على إحداث ثورة في حياة ذوي الهمم؟ A Custódia do Corpo e os Direitos de Inclusão: A Visão Islâmica e a Tecnologia Moderna na Reabilitação Motora A custódia do corpo e os direitos de inclusão constituem um pilar fundamental tanto na filosofia do pensamento legislativo quanto na medicina moderna, onde conceitos de fé se integram com tecnologias médicas avançadas para redesenhar o panorama da reabilitação motora para pessoas com deficiência. A visão legislativa confirma que os direitos das pessoas com deficiência não são apenas fruto de acordos internacionais contemporâneos, mas sim uma raiz doutrinária sólida estabelecida pela lei islâmica há mais de quatorze séculos, tomando a honra divina absoluta concedida ao ser humano como um princípio firme e inalterável pela condição física.​Nesse contexto, um estudo especializado transcontinental realizado pelo pesquisador Mohamed Elsayed Ismail, especialista em reabilitação motora e ex-treinador olímpico, em colaboração com a advogada internacional Angélica Gonçalves, conselheira do Conselho Municipal de Assistência Social e do Conselho de Diálogo Inter-religioso do Estado do Rio de Janeiro, no Brasil, apresentou uma abordagem integrada entre os objetivos da legislação e as inovações tecnológicas. Os pesquisadores explicaram que o Islam estabeleceu um sistema de proteção integral que fez do cuidado e da reabilitação das pessoas com deficiência um dever coletivo para toda a sociedade, corporificando as mais belas formas de inclusão total em modelos históricos e de liderança.​As ciências modernas de terapia ocupacional e reabilitação motora surgem como ferramentas práticas para a preservação da vida e o desenvolvimento da terra. Os resultados de campo confirmaram que a restauração da independência física exige uma transformação abrangente baseada no triângulo de ouro: movimento guiado, nutrição saudável integrada e suporte psicológico clínico. Esse sistema tríplice contribui significativamente para elevar a eficiência da resposta neurológica e física dos pacientes.​O estudo destacou o caso clínico do jovem André, de 34 anos, que sofreu paralisia completa nas pernas após uma lesão traumática na medula espinhal torácica. Enquanto a estimulação da neuroplasticidade no córtex sensoriomotor exige cerca de mil repetições motoras diárias — algo inacessível para a fisioterapia tradicional devido à fadiga —, a tecnologia de exoesqueletos robóticos conseguiu permitir que ele desse mil e quatrocentos passos em apenas uma hora.​Fatos científicos indicam que o sucesso motor depende diretamente de uma nutrição especializada, projetada cientificamente para reduzir inflamações musculares e otimizar o metabolismo. A harmonia entre a atividade física e o padrão alimentar resulta na liberação de neurotransmissores que proporcionam estabilidade psicológica e paz interior ao paciente, transformando a limitação motora em capacidade produtiva resguardada por marcos legais decisivos, como a Lei Egípcia de Direitos das Pessoas com Deficiência nº 10 de 2018.​A integração entre leis justas e tecnologias robóticas modernas representa o verdadeiro caminho para transferir os direitos das pessoas com deficiência dos registros teóricos para a realidade prática tangível. O processo de reabilitação motora e psicológica permanece um compromisso humano e ético que garante uma vida digna e total independência para cada indivíduo na sociedade.​Você acredita que a integração de tecnologias robóticas nos centros de reabilitação é capaz de promover uma revolução na vida das pessoas com deficiência?

صحة

​سر التغيير الحقيقي: لماذا يفشل التطوير الذاتي دون فهم النفس؟

بقلم الدكتوره ياسمين عطيه محمد عطيه التنمية البشرية وعلم النفس.. هل يمكن أن تغيّر حياتك قبل أن تفهم نفسك؟من منا لم يؤجل مهمة مهمة رغم معرفته بعواقب التأجيل؟ من لم يشعر يومًا بأنه أقل قدرة مما هو عليه بالفعل؟ ومن لم يجد نفسه عاجزًا عن فهم سبب غضبه أو خوفه أو تردده؟هذه المواقف تبدو عادية، لكنها تكشف شيئًا أكثر عمقًا: الإنسان لا يستطيع دائمًا تغيير سلوكه بمجرد أن يقرر ذلك. وراء كل عادة ودافع وقرار مجموعة من العوامل النفسية التي تؤثر في طريقة تفكيرنا وتصرفاتنا. ومن هنا تبدأ العلاقة الحقيقية بين علم النفس والتنمية البشرية.ففي الوقت الذي يسعى فيه علم النفس إلى فهم السلوك والعمليات العقلية والانفعالات والدوافع، تحاول التنمية البشرية توظيف بعض المعارف والمهارات في مساعدة الإنسان على تطوير أدائه وتحقيق أهدافه والتعامل بصورة أفضل مع تحديات الحياة. وبين الفهم والتطبيق، تتشكل مساحة مشتركة يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي في حياة الفرد.خذ مثلًا شخصًا يؤجل باستمرار إنجاز مهامه. قد يصفه المحيطون به بأنه «كسول»، وقد يقرر هو نفسه أنه يفتقر إلى الإرادة. لكن الصورة قد تكون أكثر تعقيدًا؛ فالتأجيل قد يرتبط بالخوف من الفشل، أو القلق من تقييم الآخرين، أو الشعور بأن المهمة أكبر من قدرته. وهنا يصبح فهم السبب خطوة تسبق محاولة التغيير.بعد ذلك تأتي أدوات التنمية البشرية لتقدم حلولًا عملية، مثل تقسيم المهمة إلى مراحل صغيرة، وترتيب الأولويات، وتحديد أهداف واضحة ومحددة. فالتغيير لا يبدأ دائمًا بمحاولة بذل جهد أكبر، بل أحيانًا بفهم لماذا لا نبذل الجهد من الأساس.وتظهر هذه العلاقة أيضًا في الثقة بالنفس. فالمشكلة لدى بعض الأشخاص ليست غياب القدرات، وإنما اعتقادهم بأنهم غير قادرين على استخدامها. وهنا يبرز مفهوم «الكفاءة الذاتية» في علم النفس، الذي يرتبط بإيمان الفرد بقدرته على أداء سلوك معين وتحقيق نتيجة محددة. هذا الاعتقاد يمكن أن يؤثر في الأهداف التي يختارها الشخص، وفي مقدار الجهد الذي يبذله، وفي قدرته على الاستمرار عندما يواجه عقبة.وفي بيئة العمل، قد نرى موظفًا يمتلك الخبرة والكفاءة، لكنه يتجنب الحديث في الاجتماعات أو تقديم أفكاره. تدريب هذا الموظف على مهارات التواصل والعرض قد يساعده، لكن فهم أسباب التردد قد يكون أكثر أهمية: هل يخشى الخطأ؟ هل يخاف من تقييم الآخرين؟ أم أنه يحمل تصورًا سلبيًا عن قدراته؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تجعل عملية التطوير أكثر واقعية.لكن العلاقة بين المجالين تحتاج إلى حدود واضحة. التنمية البشرية ليست علاجًا نفسيًا، ودورات تطوير الذات لا يمكن أن تحل محل المتخصصين عندما تكون هناك مشكلة نفسية تحتاج إلى تقييم أو علاج. كما أن اختزال مشكلات الإنسان في عبارات مثل «فكر بإيجابية» أو «كن قويًا» قد يتجاهل تعقيد التجربة الإنسانية.لذلك، فإن التنمية البشرية الأكثر احترافية هي تلك التي لا تنفصل عن المعرفة العلمية. فعلم النفس يساعدنا على فهم الإنسان، بينما تستطيع التنمية البشرية تحويل بعض هذا الفهم إلى مهارات وممارسات تساعده في حياته اليومية.وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف أطور نفسي؟ بل: هل فهمت نفسي أولًا؟فالتغيير الحقيقي لا يبدأ دائمًا من محاولة أن نصبح أشخاصًا آخرين، وإنما من معرفة من نحن، ولماذا نتصرف بالطريقة التي نتصرف بها، وما الذي نستطيع تغييره فعلًا. وعندما يلتقي فهم الإنسان بأدوات تطويره، تصبح التنمية البشرية أكثر من مجرد شعارات؛ تصبح رحلة واعية نحو إنسان أكثر فهمًا لذاته، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.

صحة

حين يصبح الخادم سيدًا.. كيف يتحول الهاتف الذكي من نعمة إلى عبء يهدد حياتنا

بقلم أد. ممدوح مصطفى في زمن الثورة الرقمية، أصبح الهاتف الذكي جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، حتى بات من الصعب تخيل يوم واحد من دونه. فقد نجح الإنسان في اختصار العالم داخل جهاز صغير يحمله في يده، يرافقه في العمل والمنزل والسفر، ويمنحه القدرة على التواصل والتعلم وإنجاز المهام في أي وقت ومن أي مكان. غير أن هذه النعمة التقنية، التي جاءت لتيسير الحياة، قد تتحول إلى عبء حقيقي إذا فقد الإنسان القدرة على التحكم في استخدامها.إن العلاقة بين الإنسان والهاتف الذكي لم تعد مجرد علاقة مستخدم بأداة، بل أصبحت في كثير من الأحيان علاقة تبعية تؤثر في الوقت والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، وهو ما يفرض ضرورة إعادة النظر في أسلوب التعامل مع التكنولوجيا حتى تبقى وسيلة لخدمة الإنسان لا وسيلة للسيطرة عليه.الهاتف الذكي إنجاز تقني غير مسبوقشهد العالم خلال العقود الأخيرة تطورًا هائلًا في وسائل الاتصال، وكان الهاتف الذكي أبرز مظاهر هذا التطور. فقد جمع في جهاز واحد وظائف عشرات الأجهزة، فأصبح هاتفًا وكاميرا وساعة وتقويمًا ومكتبة إلكترونية ومنصة تعليمية ووسيلة للدفع ومصدرًا للأخبار والترفيه، فضلًا عن كونه نافذة مفتوحة على العالم بأسره.ولا شك أن هذا التقدم يمثل نعمة عظيمة إذا أُحسن استثمارها، إذ أسهم في تسهيل الأعمال، ونشر المعرفة، وتقريب المسافات، وتعزيز فرص التعليم والعمل والتواصل بين البشر.عندما تتحول الوسيلة إلى سيدتكمن المشكلة الحقيقية ليس في الهاتف ذاته، وإنما في طريقة استخدامه. فبعد أن كان مجرد وسيلة تؤدي وظيفتها عند الحاجة، أصبح بالنسبة لكثير من الأشخاص محورًا رئيسيًا في حياتهم اليومية، يستحوذ على انتباههم لساعات طويلة، ويدفعهم إلى تفقده عشرات وربما مئات المرات دون وجود سبب حقيقي.هذا الارتباط المفرط يجعل الإنسان أسيرًا للإشعارات والتنبيهات والمحتوى المتجدد باستمرار، فيفقد السيطرة على وقته تدريجيًا، بينما تتسرب ساعات عمره دون أن يشعر.العلاقات الأسرية أول المتضررينانعكس الاستخدام المفرط للهاتف الذكي بصورة واضحة على العلاقات الاجتماعية والأسرية. فكم من مجلس كان يعج بالأحاديث والدفء الإنساني، أصبح الصمت يسيطر عليه بينما ينشغل الجميع بالنظر إلى شاشاتهم.كما أصبحت بعض الأسر تجتمع في مكان واحد، لكن أفرادها يعيشون في عوالم مختلفة خلف الهواتف، الأمر الذي يحرم الأطفال من الاهتمام والاحتواء، ويقلل من فرص الحوار الحقيقي بين أفراد الأسرة، وهو ما يترك آثارًا نفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات.الهاتف والخلافات الزوجيةلم تقتصر آثار الاستخدام الخاطئ للهاتف على الحياة الاجتماعية فحسب، بل امتدت إلى الحياة الزوجية أيضًا. فقد أصبح سوء استخدام الهاتف في بعض البيوت سببًا في زيادة الشكوك وسوء الفهم، وإثارة الخلافات بين الزوجين، حتى انتهت بعض العلاقات إلى الفراق.ولا يعود ذلك إلى الهاتف نفسه، وإنما إلى غياب الحكمة في استخدامه، حين تتحول التقنية من وسيلة للتقارب إلى سبب للتباعد وفقدان الثقة.الشباب والطلاب بين ضياع الوقت وضعف التركيزيمثل الشباب والطلاب الفئة الأكثر تأثرًا بالإفراط في استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. فكثير منهم يدخل إلى التطبيقات لدقائق معدودة، ثم يجد نفسه قد أمضى ساعات طويلة في متابعة المقاطع القصيرة والأخبار والمنشورات المتلاحقة.ويؤدي ذلك إلى تراجع القدرة على التركيز، وضعف الإنتاجية، وتأجيل الإنجاز، حتى يصبح النجاح الدراسي أو المهني أكثر صعوبة، ليس بسبب نقص الإمكانات، وإنما نتيجة استنزاف الوقت والطاقة الذهنية في أمور لا تحقق فائدة حقيقية.آثار صحية ونفسية لا يمكن تجاهلهالا تقتصر أضرار الاستخدام المفرط للهاتف الذكي على الجانب الاجتماعي، بل تمتد إلى الصحة الجسدية والنفسية. فالسهر الطويل أمام الشاشات يرهق العينين، ويؤثر في جودة النوم، بينما يؤدي الجلوس لساعات طويلة إلى آلام الرقبة والظهر، فضلًا عن زيادة التوتر والقلق وضعف الاسترخاء.ومع مرور الوقت، يفقد الإنسان متعة الهدوء والتأمل، ويصبح أكثر ارتباطًا بالعالم الافتراضي على حساب حياته الواقعية.البعد الإيماني وأهمية استثمار الوقتيبقى الخطر الأكبر عندما يشغل الهاتف الإنسان عن أولوياته الأساسية، فيصرفه عن ذكر الله، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وقراءة القرآن، ومحاسبة النفس، وغيرها من الأعمال التي تسمو بالإنسان في دنياه وآخرته.فالوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وما يمضي منه لا يمكن استعادته، ولذلك فإن حسن استثماره يعد من أعظم صور النجاح في الحياة.الاستخدام الواعي هو الحلالإنصاف يقتضي التأكيد على أن الهاتف الذكي ليس عدوًا للإنسان، بل هو أداة تتحدد قيمتها وفق طريقة استخدامها. فهو في يد الواعي مدرسة متنقلة، ومكتبة مفتوحة، ووسيلة للدعوة ونشر الخير، وجسر للتواصل مع الأهل والأصدقاء، ومصدر للرزق والمعرفة.أما في يد من يفرط في استخدامه دون ضوابط، فقد يتحول إلى مضيعة للعمر، ومشتت للفكر، وسارق للسكينة والطمأنينة.خاتمةيبقى التحدي الحقيقي في أن يظل الهاتف الذكي خادمًا للإنسان لا سيدًا عليه. فالاستخدام المتوازن للتكنولوجيا يحقق الاستفادة من مزاياها دون الوقوع في أضرارها، ويحفظ للإنسان وقته وصحته وعلاقاته وقيمه.ومن الحكمة أن يجعل كل منا هاتفه وسيلة للعلم والعمل وصلة الرحم، لا سببًا لضياع العمر واستنزاف الطاقات. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وهي رسالة تؤكد أن أعظم استثمار يملكه الإنسان هو حسن إدارة وقته، واستعمال نعم الله فيما يرضيه وينفعه في الدنيا والآخرة.

صحة

جسد بلا استشفاء كيف يحول الحرمان من النوم انسجتك الى زجاج

بقلم الباحث/ محمد السيد السيد احمد اسماعيل باحث داسات عليا في تاهيل الاصابات الرياضية وخبير التاهيل الحركى بالبرازيل تُعد قلة النوم من المسببات الرئيسة لارتفاع معدلات الإصابات الجسدية والرياضية بنسبة تصل إلى 1.7 ضعف مقارنة بالمعافين، حيث يؤدي الحرمان من الساعات الكافية للنوم (أقل من 7 إلى 8 ساعات ليلاً) إلى تدهور حاد ومباشر في الوظائف الإدراكية والحركية والبيولوجية للجسم البشري. ويبدأ هذا التأثير السلبي من الجهاز العصبي المركزي، حيث تتباطأ سرعة الاستجابة الحركية وتتأخر ردود الفعل نتيجة لضعف التوافق العضلي العصبي وتشتت الانتباه الذهني والبصري، مما يحرم الشخص من القدرة على اتخاذ القرارات اللحظية لتفادي الحوادث أو تعديل توازن الجسم في أجزاء من الثانية عند التعثر أو الاصطدام. وبناءً على هذا الخلل الإدراكي، يضعف نظام الإدراك الحسي العميق المسؤول عن وعي المفاصل بمكانها ومحيطها، مما يفرز اضطراباً في التوازن الحركي العام ويفقد العضلات قدرتها على الانقباض والانبساط بالتناغم المطلوب، الأمر الذي يضع أحمالاً ميكانيكية مفاجئة على الأربطة والأوتار ويعرضها للالتواء والتمزق.وفي سياق متصل، يمتد هذا التدهور إلى الجانب البيولوجي والهرموني داخل الأنسجة؛ إذ يترتب على غياب مرحلة النوم العميق انخفاض حاد في إفراز هرمون النمو المسؤول الأول عن ترميم الأنسجة وإصلاح التمزقات العضلية الدقيقة الناتجة عن المجهود اليومي، وبالمقابل يحفز الحرمان من النوم إفراز هرمون الكورتيزول (هرمون الإجهاد) الذي يعجل من تكسير بروتين العضلات ويزيد من مستويات الالتهابات في الجسم، مما يجعل الأنسجة الضامة أكثر هشاشة وعرضة للتعرض للإصابات المباشرة. ونتيجة لتكامل هذه العوامل مع ضعف كفاءة الجسم في تخزين جليكوجين العضلات الذي يمثل مخزن الطاقة الأساسي، يصاب الجسم بإعياء وتعب عضلي مبكر يفقد العضلات قدرتها الحيوية على دعم وحماية الهيكل العظمي والمفاصل أثناء الحركة. وتأسيساً على ما تقدم، نستنتج أن قلة النوم لا تضعف التركيز الذهني فحسب، بل تهدم المنظومة الدفاعية الحيوية والميكانيكية للجسم، مما يجعل التعرض للإصابات العضلية والمفصلية حتمية طبية ناتجة عن خلل هرموني وحركي متكامل.”

صحة

مستشفى الزيتون التخصصي يسطر ملحمة طبية جديدة بقيادة الدكتور أسامة الأمين

بقلم : كريم نور الدين​ تلوح في سماء الإنسانية نجوم براقة لا يخفت بريقها أبداً وتتحرك في ميادين العمل قامات تترك في كل زاوية أثراً من نبل وإخلاص ومن بين هذه القامات السامقة التي تستحق اليوم وقفة إجلال وتقدير يبرز اسم الدكتور الخلوق أسامة الأمين المدير العام لمستشفى الزيتون التخصصي الرجل الذي قاد هذه المنظومة الطبية العريقة بحكمة واقتدار وجعل من الصرح الطبي ملاذاً آمناً لكل مريض يبحث عن الشفاء والأمل في ظل منظومة صحية متكاملة تشهد تطوراً مستمراً.​ومنذ تولي الدكتور أسامة إدارة مستشفى الزيتون التخصصي شهد المستشفى طفرة نوعية ملموسة على المستويات كافة ولم تكن إدارته مجرد منصب بيروقراطي بل كانت رسالة مغلفة بالمسؤولية والضمير الحي وبفضل رؤيته الثاقبة وتخطيطه السديد نجح في تطوير البنية التحتية للمستشفى وتحديث الأجهزة الطبية ورفع كفاءة الأطقم الطبية والتمريضية لتواكب أعلى المعايير الصحية العالمية مما انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمة المقدمة للمواطنين.​وتأتي هذه الجهود الميدانية الحثيثة لتؤكد مدى الالتزام بتقديم الرعاية الصحية اللائقة وتسهيل إجراءات استقبال المرضى وتقديم الدعم النفسي والطبي لهم على مدار الساعة وهو ما جعل المستشفى نموذجاً يحتذى به في الانضباط والتميز الإداري والطبي وحاز على ثقة كبيرة من المترددين عليه من مختلف الفئات والذين التمسوا التغيير الحقيقي والاهتمام البالغ بكل الحالات المرضية دون استثناء.​وانطلاقاً من المبدأ النبيل الذي يؤكد أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله يتوجه الجميع بخالص الشكر والتقدير والاحترام العالي لسيادته ولكل الأطقم الطبية والتمريضية والإدارية والعمالية التي تعمل كخلية نحل متكاملة تحت قيادته الحكيمة لمواصلة العطاء الإنساني الفريد.​إن الكلمات لتقف عاجزة عن إيفاء الدكتور أسامة الأمين حقه من الثناء نظير ما يقدمه من جهود مخلصة ترتقي بالمنظومة الصحية وتدعم خطط الدولة في توفير حياة كريمة وصحة مستدامة لكل المواطنين متمنين لسيادته ومستشفى الزيتون التخصصي مزيداً من التقدم والرفعة في خدمة الوطن والإنسانية.

صحة

سيكولوجية التميز الإنساني.. لماذا يرفض الاستثنائيون العيش في منطقة العادية؟

بقلم: داليا سيد (مراسلة الجيزة)​تمثل الرغبة في الانعتاق من قيود العادية الدافع الأكبر وراء التطور الإنساني على مر العصور، حيث يقر الكثير من الأشخاص المؤثرين في مجتمعاتهم بأنهم لا يقبلون بالنمطية في تفاصيل حياتهم. هؤلاء يرفضون العادية في التعامل، والنقاش، والمشاعر، والبقاء، والعطاء، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن تركيبتهم النفسية والفكرية تناسب الاستثناء، والمبالغة الإيجابية، والمعاملات اللا عادية التي تليق بطموحهم الفريد.​وتختلف الطرق التي يعيش بها البشر بناءً على التنوع الإنساني الخلاق، فكل إنسان يختار الطريقة التي تناسب تطلعاته وقيمه الشخصية. لذلك لا يوجد أي داعٍ لأن تتشابه أفعالنا أو ترتبط سلوكياتنا بنمط واحد جامد، بل إن التميز الحقيقي يكمن في الاختلاف وصناعة الأثر الإيجابي الخاص بكل فرد.​وتتردد كلمة عادي بين الأشخاص في سياقات ومناسبات كثيرة كدلالة على العادة والشيء البسيط أو المألوف، لكن في المقابل يقف الشخص غير العادي في حيرة من أمره أمام هذا الركود المجتمعي. ويرى هذا الإنسان الاستثنائي ما لا يراه الكثيرون، لا لشيء إلا لأنه ينظر إلى الحياة من جميع الزوايا والاتجاهات لا من زاوية واحدة ضيقة، وهو ما يجعله شخصاً لا يرضى بالهزيمة، ويعيش غالباً في صراع مستمر مع التحديات لإثبات ذاته.​ويمكن تصنيف البشر في التعامل مع معطيات الحياة والواقع إلى ثلاث فئات رئيسية تحكم مساراتهم المستقبلية وقدرتهم على التغيير.​وتشمل الفئة الأولى الأشخاص العاديين الذين يرتضون بالنسخ المكررة من الحياة، بحيث يمكن أن يحل محلهم بدائل كثيرة أخرى دون أن يتركوا بصمة واضحة تميزهم عن الآخرين. ولا يكلف هؤلاء أنفسهم العناء أو الجهد اللازم لتحقيق الطموح والنجاح، كما لا يفكرون في وضع خطط جديدة أو الانتقال إلى آفاق أرحب، مما يجعل الفرد منهم مجرد رقم عابر بين مليارات الأرقام التي لا تحصى في هذا العالم.​أما الفئة الثانية فتضم الأشخاص الفوق عاديين، وهو الصنف الذي يبحث عن شغفه كل يوم في الأشياء التي يحبها ويهواها. ويمثل الفوق عادي الشخص الساعي الذي يصارع العالم والظروف من أجل الوصول إلى رغباته وأهدافه المشروعة، ويمتاز هؤلاء دائماً بالشجاعة من الدرجة الأولى والاختلاف الواضح عن المحيطين بهم.​وتأتي الفئة الثالثة لتمثل الأشخاص غير العاديين بالمرة، حيث تعني هذه المرتبة أن الإنسان سيقود معارك حقيقية مع الواقع ومتغيرات الحياة، وسيصعد جبالاً عالية من الصعوبات والأزمات. كما يضطر هؤلاء لإدارة مناقشات طويلة مع عقليات تهتم بصغار الأمور وأدق التفاصيل السطحية التي قد تعطّل مسيرة الإنجاز.​وتتسم الشخصيات غير العادية برفضها التام للاستسلام لروتين الحياة المتمثل في الأكل والشرب والعمل من أجل جمع المال فقط، بل يتعدى طموحهم ذلك إلى آفاق روحية وفكرية أوسع. ويظهر هذا التميز في تعاملهم مع العبادات، حيث يسعون إلى عبادة الله حق العبادة، والتعرف على قدرة الخالق كل يوم من خلال قراءة كتاب، أو تدبر موقف، أو تلمس شعور إنساني راقٍ.​ويعد الشغف بالقراءة وحب المعرفة من أبرز المزايا التي تتحلى بها الشخصيات غير العادية، حيث يخلق الفرد منهم لنفسه مساحة خاصة من الإبداع والابتكار. وغالباً ما يتجه هؤلاء المتميزون نحو الفنون الرفيعة مثل الكتابة، أو الموسيقى، أو الرسم، مما يضمن لهم العيش بعيداً عن التكرار والروتين القاتل الذي يستنزف الطاقات الإنسانية.​إن العيش في المنتصف لا يصنع التاريخ ولا يترك أثراً مستداماً في مسيرة المجتمعات، بل إن الاستثناء والبحث الدائم عن التميز هو الوقود الحقيقي للإبداع البشري. ويبقى الخيار بيد الإنسان نفسه في أن يكون رقماً إضافياً أو رقماً صعباً يصنع الفارق في مجالات العلم، والفكر، والإنسانية.

صحة

حين تزهر الروح بعيداً عن صخب الحياة محطات ملهمة في رحلة النضج والتصالح الذاتي

بقلم/ سعاد حسني​يقولون إن العمر مجرد أرقام تعبر شريط الذكريات، لكن الحقيقة الثابتة تؤكد أن الأيام ليست مجرد عداد يمر سراعاً، بل هي بمثابة مصنع حقيقي يعيد تشكيل أرواحنا وصياغة مفاهيمنا تجاه الأشياء. وتبرز في مسيرة الإنسان محطة فارقة في الحياة يجدها البعض بوضوح شديد بعد سن الأربعين، بينما يصل إليها آخرون في مراحل مختلفة بناءً على عمق تجاربهم وحجم التحديات التي واجهوها، حيث يبلغ المرء في هذه المرحلة حالة من التصالح العظيم مع النفس ومع العالم المحيط به.​إن النضج الحقيقي لا يقاس يوماً بظهور الشيب في المفرق أو بتقدم سنوات العمر، بل يتجلى بمدى اتساع قلوبنا واستيعابها لتقلبات الحياة ومروق أزماتها. وتنعكس هذه الحالة على سلوك الإنسان لتعيد ترتيب أولوياته، وتمنحه رؤية أكثر عمقاً وسلاماً، بعيداً عن الركض المستمر خلف السراب.​وتأتي أولى علامات النضج متمثلة في سيادة الاستغناء والتحصن بالذات كحصن منيع ضد الخيبات. ومن أجمل ما يمنحه النضج للإنسان هو تلك السيادة العظيمة على مشاعره واحتياجاته النفسية، إذ نصل إلى مرحلة الاكتفاء الذكي الذي لا يحمل كبرياءً أو جفاءً، بل يعكس وعياً عميقاً بالقيمة الشخصية. ويشعر الإنسان في هذه المرحلة أنه مكتفٍ بذاته تماماً، فلا يتسول الاهتمام من أحد، ولا يركض خلف العلاقات المزيفة التي تستنزف طاقته بلا طائل.​وفي ظل هذا الوعي الجديد، يصبح الاختفاء عن الأضواء والابتعاد عن الضجيج متعة حقيقية يسعى إليها المرء بشغف، ويغدو الجلوس مع النفس في سلام وتأمل أثمن بكثير من الانخراط في أي تجمع صاخب لا يضيف للروح شيئاً.​ويتساءل الكثيرون عن كيفية الوصول إلى هذه المرحلة النفسية المتقدمة، والواقع يؤكد أن الوصول إلى هذه الواحة النفسية الوارفة لا يأتي أبداً بالصدفة أو ضربة حظ، بل هو نتاج رحلة طويلة من الصبر والهدوء. وفي هذه الرحلة يتحول الإنسان من شخص سريع الانفعال يسعى جاهداً لتغيير العالم وإصلاح الكون من حوله، إلى شخص صبور يتأمل المشهد بحكمة بالغة ويفضل الصمت الممنهج على الكلام العابر.​كما يسهم وضع الحدود الشخصية الصارمة والمرنة في آن واحد في تعزيز هذا النضج، حيث يعلمنا الوعي الذاتي كيف نرسم خطوطاً واضحة حول حياتنا لحماية خصوصيتنا وإجبار الآخرين على احترامها. وفي المقابل، نتعلم من خلال هذه التجربة كيف نحترم خصوصية ومساحة الآخرين دون تطفل أو تدخل في شؤونهم.​وينمو مع النضج مفهوم تقبل الاختلاف مع الآخرين بوصفه ركيزة أساسية للاستقرار النفسي، حيث تذوب رغبة الجدال العقيم وإثبات الذات في كل محفل، ونبدأ في تقبل فكرة أن البشر مختلفون بطبيعتهم ولن يفكر الجميع بطريقتنا أو يتبنوا قناعاتنا. وهذا التقبل يمنح المرء انشراحاً كبيراً في الصدر ويغلق أبواب الصراعات النفسية والذهنية المستمرة، مما يزيد من معدلات السلام الداخلي بشكل غير مسبوق في حياة الفرد اليومية.​ويقودنا النضج الإنساني إلى إدراك أن الأثر الطيب هو غاية الرحلة والهدف الأسمى من الوجود . . فالنضج الحقيقي يعلمنا كيف ننهي الأمور والأيام بشكل راقٍ ومتحضر، فإذا انتهت علاقة إنسانية أو انتهت مرحلة من العمل، نغلق تلك الصفحات بجميل الأثر ودون ضجيج أو خصومة. وتكمن القيمة الحقيقية للإنسان في ذلك الأثر الطيب والذكرى الحسنة التي يتركها وراءه أينما حل وارتحل، لتكون سيرته بمثابة عطر يفوح حتى في غيابه.​إن هذه المحطة الروحية المتقدمة ليست حكراً على سن الأربعين فقط، وإن كانت الأربعون تمثل بوابتها الذهبية وتاريخها الأكثر وضوحاً في مسيرة البشر. فكل إنسان يمتلك رحلته الخاصة وتوقيته الفريد في فهم الحياة واستيعاب دروسها القاسية والجميلة على حد سواء. وليس المهم متى نصل إلى هذه القناعات، بل الأهم هو كيف نعيش هذا السلام الداخلي الذي يجعلنا أكثر رحمة بأنفسنا وأكثر لطفاً وتعاطفاً مع من حولنا في هذا العالم الصاخب.

Scroll to Top