
بقلم الدكتوره ياسمين عطيه محمد عطيه
التنمية البشرية وعلم النفس.. هل يمكن أن تغيّر حياتك قبل أن تفهم نفسك؟من منا لم يؤجل مهمة مهمة رغم معرفته بعواقب التأجيل؟ من لم يشعر يومًا بأنه أقل قدرة مما هو عليه بالفعل؟ ومن لم يجد نفسه عاجزًا عن فهم سبب غضبه أو خوفه أو تردده؟هذه المواقف تبدو عادية، لكنها تكشف شيئًا أكثر عمقًا: الإنسان لا يستطيع دائمًا تغيير سلوكه بمجرد أن يقرر ذلك. وراء كل عادة ودافع وقرار مجموعة من العوامل النفسية التي تؤثر في طريقة تفكيرنا وتصرفاتنا. ومن هنا تبدأ العلاقة الحقيقية بين علم النفس والتنمية البشرية.ففي الوقت الذي يسعى فيه علم النفس إلى فهم السلوك والعمليات العقلية والانفعالات والدوافع، تحاول التنمية البشرية توظيف بعض المعارف والمهارات في مساعدة الإنسان على تطوير أدائه وتحقيق أهدافه والتعامل بصورة أفضل مع تحديات الحياة. وبين الفهم والتطبيق، تتشكل مساحة مشتركة يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي في حياة الفرد.خذ مثلًا شخصًا يؤجل باستمرار إنجاز مهامه. قد يصفه المحيطون به بأنه «كسول»، وقد يقرر هو نفسه أنه يفتقر إلى الإرادة. لكن الصورة قد تكون أكثر تعقيدًا؛ فالتأجيل قد يرتبط بالخوف من الفشل، أو القلق من تقييم الآخرين، أو الشعور بأن المهمة أكبر من قدرته. وهنا يصبح فهم السبب خطوة تسبق محاولة التغيير.بعد ذلك تأتي أدوات التنمية البشرية لتقدم حلولًا عملية، مثل تقسيم المهمة إلى مراحل صغيرة، وترتيب الأولويات، وتحديد أهداف واضحة ومحددة. فالتغيير لا يبدأ دائمًا بمحاولة بذل جهد أكبر، بل أحيانًا بفهم لماذا لا نبذل الجهد من الأساس.وتظهر هذه العلاقة أيضًا في الثقة بالنفس. فالمشكلة لدى بعض الأشخاص ليست غياب القدرات، وإنما اعتقادهم بأنهم غير قادرين على استخدامها. وهنا يبرز مفهوم «الكفاءة الذاتية» في علم النفس، الذي يرتبط بإيمان الفرد بقدرته على أداء سلوك معين وتحقيق نتيجة محددة. هذا الاعتقاد يمكن أن يؤثر في الأهداف التي يختارها الشخص، وفي مقدار الجهد الذي يبذله، وفي قدرته على الاستمرار عندما يواجه عقبة.وفي بيئة العمل، قد نرى موظفًا يمتلك الخبرة والكفاءة، لكنه يتجنب الحديث في الاجتماعات أو تقديم أفكاره. تدريب هذا الموظف على مهارات التواصل والعرض قد يساعده، لكن فهم أسباب التردد قد يكون أكثر أهمية: هل يخشى الخطأ؟ هل يخاف من تقييم الآخرين؟ أم أنه يحمل تصورًا سلبيًا عن قدراته؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تجعل عملية التطوير أكثر واقعية.لكن العلاقة بين المجالين تحتاج إلى حدود واضحة. التنمية البشرية ليست علاجًا نفسيًا، ودورات تطوير الذات لا يمكن أن تحل محل المتخصصين عندما تكون هناك مشكلة نفسية تحتاج إلى تقييم أو علاج. كما أن اختزال مشكلات الإنسان في عبارات مثل «فكر بإيجابية» أو «كن قويًا» قد يتجاهل تعقيد التجربة الإنسانية.لذلك، فإن التنمية البشرية الأكثر احترافية هي تلك التي لا تنفصل عن المعرفة العلمية. فعلم النفس يساعدنا على فهم الإنسان، بينما تستطيع التنمية البشرية تحويل بعض هذا الفهم إلى مهارات وممارسات تساعده في حياته اليومية.وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف أطور نفسي؟ بل: هل فهمت نفسي أولًا؟فالتغيير الحقيقي لا يبدأ دائمًا من محاولة أن نصبح أشخاصًا آخرين، وإنما من معرفة من نحن، ولماذا نتصرف بالطريقة التي نتصرف بها، وما الذي نستطيع تغييره فعلًا. وعندما يلتقي فهم الإنسان بأدوات تطويره، تصبح التنمية البشرية أكثر من مجرد شعارات؛ تصبح رحلة واعية نحو إنسان أكثر فهمًا لذاته، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.

