رقعة الشطرنج الحمراء و رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي
بقلم المستشار/ سعد محمد العقبيلم يعد البحر الأحمر مجرد شريان مائي تسير فيه ناقلات النفط وتتلاقى عبره خطوط التجارة العالمية بل خرج عن هدوئه المعتاد ليتحول وبسرعة تحبس الأنفاس إلى حلبة مفتوحة لتكسير العظام الجيوسياسية. لسنا اليوم أمام مجرد تغيرات عابرة بل نشهد زلزالا استراتيجيا من العيار الثقيل يضرب جذور القرن الأفريقي. إنها تحولات لم تعد تحاك بخجل في الغرف المغلقة بل باتت تُفرض على الأرض بلغة القواعد العسكرية والاعترافات الدبلوماسية الصادمة التي تقلب طاولة اللعب على رؤوس أصحاب النظام الإقليمي الكلاسيكي.من البوابة الإسرائيلية هبت رياح الزلزال الدبلوماسي الأخير. لم تكن زيارة رئيس أرض الصومال (صوماليلاند) إلى إسرائيل ولقاؤه بالرئيس إسحاق هرتسوغ مجرد بروتوكول سياسي عابر تلتقطه عدسات الكاميرات بل كانت بمثابة اختراق استراتيجي يطعن خاصرة الجغرافيا. توّجت هذه الزيارة باعتراف إسرائيلي رسمي تبعه قرار بالغ الاستفزاز للمشاعر العربية والإسلامية تجسد في افتتاح سفارة لـ صوماليلاند في قلب مدينة القدس. غير أن ما خلف الابتسامات الدبلوماسية والمصافحات الرسمية يحمل طابعاً أكثر ظلاما إذ تتقاطع التقارير الاستخباراتية والقراءات الاستراتيجية العميقة عند حقيقة مفزعة هذا الاعتراف ليس سوى غطاء سياسي لثمن باهظ يُدفع نقداً متمثلاً في منح جيش الدفاع الإسرائيلي موطئ قدم عسكري وقاعدة بحرية متقدمة في أرض الصومال لتستطيل بذلك أذرع تل أبيب وتطال عمق مضيق باب المندب وخليج عدن.بطبيعة الحال لم يهبط هذا التمدد الإسرائيلي المباغت بالمظلات بل نزل على مدرج مُهدت أرضيته بعناية فائقة ضمن ما بات يُعرف في أروقة السياسة بـ محور بربرة. وهنا تطل الإمارات العربية المتحدة برأسها كمهندس خفي وصانع رئيسي لهذا الواقع الجديد. لطالما نظرت أبوظبي إلى خليج عدن ليس كجغرافيا بعيدة بل كفناء خلفي وحزام استراتيجي لا غنى عنه لأمنها القومي لتنخرط بصمت وهدوء في نسج طوق محكم من القواعد العسكرية القادرة على خنق أو إطلاق الممرات المائية. وتأتي تقييمات الاستخبارات المكانية لتكشف الستار عن نمو سلس ومستمر لقاعدة عسكرية إماراتية يكتنفها الغموض في مطار وميناء بربرة. هذا الغطاء الاستراتيجي الذي وفرته الإمارات لأرض الصومال هو ذاته المظلة التي تسللت من تحتها تل أبيب إلى المسرح لتكتمل بذلك ملامح تحالف جديد ومثير يسعى لاحتكار النفوذ في أحد أكثر شرايين العالم المائية حساسية.أمام هذا الاختراق السافر للخطوط الحمراء لم تبتلع القوى الكلاسيكية في المنطقة لسانها ولم تقف مكتوفة الأيدي تراقب المشهد كالغرباء. القاهرة التي يمثل البحر الأحمر في عقيدتها امتداداً جينياً وتاريخياً لأمن قناة السويس وعموداً فقرياً لأمنها القومي أدارت محركات مطبخها الدبلوماسي بأقصى طاقة ممكنة. لقد خرجت العقيدة المصرية مؤخراً من طور التلميح إلى التصريح الصارم والمباشر راسيةً على مبدأ حديدي لا يقبل المساومة: أمن البحر الأحمر هو حق حصري وسيادي للدول المشاطئة له فقط.ولم تكن هذه العقيدة مجرد حبر على ورق أو تصريحات للاستهلاك الإعلامي بل تحولت فوراً إلى متاريس واصطفافات مضادة على الأرض. فجاءت قمة القاهرة في يونيو 2026 التي جمعت القيادتين المصرية والإريترية لتكون شرارة الانطلاق متزامنة مع تعهدات مصرية صلبة بدعم سيادة الصومال الموحد (بمقديشو) وتقوية جبهته الأمنية. هكذا تشكل حجر الزاوية لتحالف ثلاثي (مصري – إريتري – صومالي) لا يكتفي بمحاصرة الطموحات التوسعية لإثيوبيا فحسب بل ينتصب كجدار صد منيع أمام أي محاولات لقوى غريبة وغير مشاطئة كإسرائيل وأصحاب القواعد المستحدثة لفرض أمر واقع يمزق سيادة الدول الأصيلة المطلة على هذا الممر الحيوي.وعلى الضفة العربية والإسلامية الأوسع جاء افتتاح سفارة أرض الصومال في القدس المحتلة ليلقي بعود ثقاب في حقل شديد الجفاف. لم تتأخر بيانات الإدانة المشتعلة التي توالت من وزارات خارجية الدول العربية والإسلامية وفي طليعتها سلطنة عمان عن وصف الخطوة بانتهاك صارخ ومستفز للقانون الدولي. إلا أن بين سطور هذا الشجب كان يكمن قلق عميق وحقيقي من انزلاق منطقة القرن الأفريقي بالكامل في مستنقع لعبة المحاور القاتلة التي لا تبقي ولا تذر.في النهاية تفرض سياسة الأمر الواقع حقيقة واحدة لا لبس فيها لقد بدأت المياه الدافئة للبحر الأحمر في الغليان الفعلي. إن هذه التحالفات الطارئة التي تتغذى على دبلوماسية القواعد العسكرية ومقايضة العزلة السياسية للكيانات الانفصالية تدفع بالمنطقة بأسرها نحو حافة صراع مفتوح على مصراعيه. نحن اليوم شهود على لحظة تاريخية يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ بمداد من البارود والجغرافيا وفي هذه اللعبة القاسية سقطت مقاعد المتفرجين فالإقليم يقف بأكمله فوق صفيح شديد السخونة وأي خطأ ولو كان هامشياً في الحسابات الدبلوماسية أو العسكرية من أي طرف سيكون كفيلاً بإغراق المنطقة في دوامة فوضى عارمة ستضرب ارتداداتها العنيفة شواطئ العالم بأسره.








