بقلم: م/ عصام عبد العاطي. تُعد قضية العمالة غير المنتظمة واحدة من أبرز الملفات الشائكة التي تتصدر المشهد الاجتماعي والاقتصادي في مصر. فبين طموحات الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وواقع يفرضه غياب الاستقرار الوظيفي، يجد ملايين العمال أنفسهم عالقين “بين مطرقة أصحاب العمل وسندان التأمينات الاجتماعية”، مما يضعهم في مواجهة مستمرة مع تحديات تأمين لقمة العيش والحصول على حياة كريمة.واقع العمالة غير المنتظمة: معاناة خارج مظلة القانونتشمل فئة العمالة غير المنتظمة قطاعاً عريضاً من المجتمع؛ يضم عمال البناء، الحرفيين، وعمال اليومية، وهؤلاء يعتمدون بشكل كلي على فرص عمل مؤقتة وغير مستقرة. هذا الوضع يجعلهم الحلقة الأضعف في المنظومة الاقتصادية، حيث يواجهون:استغلال أصحاب الأعمال: الذين يسعون غالباً لتقليل النفقات عبر التهرب من تسجيل العمال في منظومة التأمينات.غياب العقود الرسمية: مما يعني فقدان الحق في الحماية القانونية عند التعرض للإصابة أو الفصل التعسفي.فقدان مصدر الرزق: في أي لحظة دون وجود أي ضمانات مالية بديلة.أزمة التأمينات.. إجراءات معقدة واشتراكات لا تناسب الدخلعلى الرغم من أهمية الحماية الاجتماعية، إلا أن منظومة التأمينات الحالية لا تزال تمثل عائقاً أمام انضمام هذه الفئة بشكل واسع، وذلك لعدة أسباب جوهرية:تعقيد الإجراءات الإدارية: مما يتسبب في عزوف العامل البسيط عن البدء في خطوات التسجيل.قيمة الاشتراكات: التي تبدو مرتفعة وغير متناسبة مع دخول تتسم بالتذبذب وعدم الثبات.غياب المرونة: في آليات السداد التي لا تراعي طبيعة العمل “باليومية”.الآثار الاجتماعية لغياب الأمان الوظيفيإن استمرار هذه الإشكالية ينعكس سلباً على استقرار المجتمع، حيث يؤدي حرمان شريحة واسعة من التأمين الصحي والمعاشات إلى زيادة معدلات الفقر، وتفاقم الأعباء على كاهل الدولة في مواجهة الأزمات المستقبلية، مما يجعل دمجهم في الاقتصاد الرسمي ضرورة قصوى وليست رفاهية.جهود الدولة والحلول المقترحة للعبور لبر الأمانبذلت الدولة المصرية جهوداً ملموسة في السنوات الأخيرة، من خلال المنح الاستثنائية وتدشين قواعد البيانات، ولكن لضمان استدامة هذه الحماية، يتطلب الأمر ما يلي:تطوير تشريعي: صياغة قوانين تأمينات أكثر مرونة تتوافق مع طبيعة الدخل غير المنتظم.الرقابة الصارمة: تفعيل دور التفتيش على المنشآت لضمان حقوق العمال المسلوبة لدى أصحاب الأعمال.التوعية المجتمعية: نشر ثقافة الوعي التأميني بين العمال لتعريفهم بحقوقهم ومزايا الاشتراك في الحماية الاجتماعية.الخاتمةفي النهاية، تظل العدالة الاجتماعية هي الهدف الأسمى الذي لا يمكن تحقيقه دون توفير مظلة أمان حقيقية لجنود الإنتاج المجهولين. إن حماية العمالة غير المنتظمة هي استثمار في استقرار الوطن وضمان لمستقبل أكثر إشراقاً لقوة العمل المصرية.
