
بقلم م/ سعد محمد العقبيكنت أصب الزيت في المقلاة ذلك الصباح وكنت أردد لنفسي ما يردده كل بيت بيضة واحدة تكفي ثم كسرتها.لم تكن الصدمة في المنظر المقزز تلك الأنسجة المتعفنة التي تلطخت بالصفار بل في الاعتيادية في أن يدي لم ترتجف. في أنني لم أفاجئ في أنني تذكرت فجأة أن جدتي كانت تسمي البيضة النونية كأنها كائن حي مستقل يستحق اسما خاصا وأننا اليوم نسميها الوحدة كأنها سلعة في جرد مدرسي.هنا بين النونية والوحدة تقع الكارثة.الهرمون الذي لم يكتب له أن يستريحفي طبيعة الأمر أعني في الطبيعة الحقيقية تلك التي تشرق فيها الشمس وتغيب دون استئذان تنتج الدجاجة بيضتها حين تشاء لا حين يُشاء. الغدة النخامية ترسل إشارتها كما يرسل القمر أمواجه بهدوء بدوران بانتظام فلكي لا يقهر.لكن الطبيعة هذه أصبحت في عرف المزارع التجاري مرادفا للبطئ. والبطئ مرادف للخسارة. والخسارة كما يعلم الجميع جريمة اقتصادية لا تغتفر.فماذا فعلوا؟لم يكتفوا بخداع الدجاجة. خدعوا زمنها. اضائو لها الليل نهارا فظنت أن الصيف دائم وأن الربيع لا ينتهي. أطعموها خلطات كيميائية تحاكي الطعام دون أن تكونه. وضغطوا على جسمها لا بالأيدي بل بالأرقام حتى أصبحت تنتج كل 24 ساعة ما كان يستغرق ثلاثة أيام.300 بيضة في السنة. أتدرون ما معنى هذا الرقم؟معناه أن عظامها تتآكل. أن قشرتها تصير رقيقة كورق التواليت. أن رحمها المسكين لا يجد وقتا ليصلح ما أفسده الاستعجال. فتتسرب إليكم أنتم في مطابخكم مع فنجان القهوة بقايا ما لم يكتمل جنين مشوه أنسجة ميته ذكريات جسد انهار تحت وطأة المستحيل.المختبر حيث تولد المأساةيقول الناس إن المشكلة في الهرمونات المحقنة. يظنون أن هناك يدا غاشمة تدخل الإبر في أجنحة الطيور. لو كان الأمر بسيطا لهانالحقيقة أبشع. الحقيقة أن المأساة تبدأ قبل أن تولد الدجاجة. تبدأ في أنابيب اختبار زجاجية حيث يعاد ترتيب الحروف الوراثية كما يعاد ترتيب حروف اسم في لعبة. سلالات بأرقام تجارية هايلاين وآيزا براون. أسماء تبدو كعلامات تجارية للسيارات لأنها في الحقيقة علامات تجارية للدجاجات. فما هذه الدجاجات إلا آلات بيولوجية مبرمجة تسجل في سجلات براءات الاختراع وتباع بالكيلو وتستبدل كل 80 أسبوعا حين تنهار عظامها تماما.تخيلوا 80 أسبوعا. سنة ونصف. ثم إلى المذبحة. ليس لأنها لم تعد تنتج بل لأنها لم تعد تستطيع الوقوف. هشاشة العظام. سحب عنيف للكالسيوم لصناعة قشرة سريعة رديئة. جسد يستنزف حتى العظم… حتى في العظم.الضوء الكاذب والبيضة الفارغةأذكر يوما زرت فيه مزرعة تجارية لا أقول أين ودخلت إلى أحد العنابر. الضوء أصفر متواصل لا يغمض للعين ولا للساعة البيولوجية. 16 ساعة 18 ساعة. الكتالوج نعم هناك كتالوج لتشغيل الكائنات الحية يفرض هذه المعادلة المزيد من الضوء يساوي المزيد من التبويض يساوي المزيد من الربح.لكنني سألت نفسي وأنا أخرج من ذلك المكان الذي رائحته لا تغسل وماذا عن البيضة؟ليس عن القشرة. عن ما بداخلها. عن الصفار الذي كان يوما ذهبيا غامقا كالشمس المغيب مغذيا كالتراب الطيب. اليوم هو أصفر شاحب مائي يتفتت في المقلاة كما يتفتت الوعد الكاذب. لأن الدجاجة التي لم تر ليلا حقيقيا ولم تأكل حشرة أو بذرة طبيعية لا تستطيع ببساطة أن تنتج حياة.نحن لا نأكل بيضا. نأكل رقم إنتاج. سلعة فارغة من القيمة الحيوية مليئة بما هو أسوأ.ما تبقى في الصفاروهنا يأتي الجزء الذي يرعبني حقا.الدجاجة المريضة وكل دجاجة في هذا النظام مريضة بطريقة أو بأخرى تعالج بالمضادات الحيوية. بالمحفزات. بالكيماويات التي تبقيها على قيد الحياة رغم انهيارها. وهذه السموم لا تتبخر. لا تختفي في الفرن.تتجمع في الصفار. في ذلك المخزن الذهبي للدهون. تترسب مثل الغبار على أثاث قديم. تدخل مع كل بيضة تتناولها إلى أمعائك. تخرب بكتيرياك النافعة تلك المستعمرة الدقيقة التي تسمى الميكروبيوم وتعتبر موطنك الحقيقي. تشوش إشاراتك الهرمونية. ترهق كبدك وكليتك.والطبيب المسكين ينظر إليك ويقول قلل الدهون. ولا يدري أن المشكلة ليست في الدهون بل في ما ركب فيها. أن البيضة لم تعد بيضة بل أرشيفا متنقلا للتلوث الصناعي.الاستفتاء الصامتلكنني ولعل هذا هو ما يبقيني متفائلا ألاحظ شيئا.ألاحظ أن سوق البيض يتذبذب. أن الأسعار تتراجع أحيانا دون سبب اقتصادي واضح. أن الناس نعم الناس العاديون الذين لا يقرأون في البيولوجيا ولا يعرفون الهايلاين من البراون بدأوا ينفرون. يشمون رائحة منفرة في البيضة المسلوقة. يرون قواما غريبا. يسمعون عن الأجنة والأنسجة في مجموعاتهم على وسائل التواصل. ويصمتون. ويقللون الشراء.هذا ليس مقاطعة منظمة. هذا وهذا أعمق استفتاء حيوي. رفض غريزي من الجسم البشري كله ليس فقط من عقله. استغناء صامت كما يستغني الجسم عن الطعام الفاسد قبل أن يدرك العقل سبب الغثيان.واخيراً النونية التي رحلتأعود إلى جدتي وإلى النونية. كانت تحضرها في صحن فخاري وتأكلها مع خبز يافع وزيتون شامي. كانت القشرة سميكة يصعب كسرها. والصفار برتقاليا لونه لون التراب الحنطي بعد المطر. ولم تكن هناك وحدة إنتاج بل كانت هناك بيضة كائن حي بروحه وقصته ومواسمه.ليس هذا حنينا رومانسيا. هذا تشخيص طبي دقيق الجسم الذي ينتج وفق فطرته ينتج صحة. والجسم الذي يستعبد لإنتاج الأرقام ينتج مرضا مرضا ينتقل كالعدوى الخفية من مائدتنا إلى أجسادنا.البديل ليس مرفوضا. هو موجود لمن يبحث. لكن الخطوة الأولى والوحيدة هي أن ندرك أن ما نأكله ليس طعاما بل قرارا. قرارا بأن أجسادنا لا تستحق أن تكون مكبا للفشل البيولوجي الذي صنع في مختبرات الربح.
مصادر المقال 1. “التبويض المفرط” والإنتاج المكثف: منظمة الأغذية والزراعة (FAO): State of the World’s Animal Genetic Resources for Food and Agriculture. مجلة Poultry Science: المرجع الأول للأبحاث الأكاديمية حول التغيرات الفسيولوجية في سلالات الدجاج البياض نتيجة الضغوط الإنتاجية. مؤشر “الكفاءة الإنتاجية” (Feed Conversion Ratio): دراسات حول (FCR) في الدجاج، والتي توضح كيف يتم توجيه الطاقة الحيوية للفرخة بعيداً عن الصحة العامة إلى الإنتاج. 2. “الهندسة الوراثية والسلالات” (Hy-Line & Isa Brown): مواقع الشركات الأم (Genetic Breeding Companies): مواقع مثل Hy-Line International و Hendrix Genetics (المالكة لـ Isa Brown). هذه المواقع تنشر “كتيبات الإدارة” (Management Guides) التي توضح بوضوح متطلبات الإضاءة (16-18 ساعة) والبرامج الغذائية الصارمة 3. “التراكم السمومي والمضادات الحيوية”: تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO): WHO Global Action Plan on Antimicrobial Resistance. المنظمة تحذر رسمياً من الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية في مزارع الإنتاج الحيواني كسبب رئيسي لمقاومة البكتيريا لدى البشر. أبحاث حول “الاضطراب الهرموني” (Endocrine Disruptors): الدراسات التي تربط بين بقايا الكيماويات في الغذاء والاضطرابات الهرمونية البشرية 4. المصادر حول “الوعي البيولوجي وتأثير الغذاء”: دراسات الـ Microbiome: الدراسات التي تربط بين النظام الغذائي المصنع (Ultra-processed food) وتغير توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء. تقارير الـ EFSA (الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية): تنشر تقارير دورية عن بقايا المواد الكيميائية في البيض والمنتجات الحيوانية

