بقلم: م/ عصام عبدالعاطى
بين حق المصانع في الإنتاج وحق المواطنين في التنفس.. معاناة يومية تبحث عن حلفي كل صباح، يخرج آلاف الأطفال من منازلهم في منطقة بهتيم بشبرا الخيمة متجهين إلى مدارسهم، حاملين أحلامًا صغيرة بمستقبل أفضل. لكن هناك ما يسبقهم إلى الشوارع والأزقة، سحب من الغبار والعوادم التي يشكو منها عدد من الأهالي، وسط تساؤلات متزايدة حول تأثيرها على صحة السكان وجودة حياتهم.المشهد لم يعد مجرد شكوى عابرة يتداولها الجيران على المقاهي أو أمام المنازل، بل تحول إلى قضية تمس حياة آلاف الأسر التي تخشى على أبنائها من الآثار الصحية والنفسية للتعرض المستمر للأتربة والانبعاثات الصناعية.أم تبحث عن هواء نقي لطفلهاتقول إحدى الأمهات: “أصبحنا نغلق النوافذ معظم الوقت، وعندما يخرج أولادي للعب يعودون محملين بالأتربة. أكثر ما يقلقني هو الكحة المستمرة وحساسية الصدر التي يعاني منها الأطفال.”هذه الشهادة تتكرر بصور مختلفة بين العديد من الأسر، حيث يربط بعض الأهالي بين تزايد الأتربة والعوادم وبين انتشار مشكلات الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال وكبار السن.الأطفال.. الحلقة الأضعفيحذر متخصصون من أن الأطفال أكثر تأثرًا بالتلوث البيئي بسبب طبيعة نمو أجهزتهم التنفسية وعدم اكتمال قدرتها على مقاومة الملوثات.فاستنشاق الجسيمات الدقيقة لفترات طويلة قد يؤدي إلى زيادة معدلات الإصابة بالحساسية والربو والتهابات الشعب الهوائية، كما يمكن أن ينعكس على النشاط البدني والتحصيل الدراسي نتيجة الإرهاق المتكرر وصعوبات التنفس.ولا يتوقف الأمر عند حدود المرض العضوي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي، حيث يشعر الطفل بالضيق والتوتر عندما يصبح غير قادر على ممارسة حياته الطبيعية أو اللعب بحرية في بيئة صحية وآمنة.الصحة النفسية.. الضحية الصامتةعندما يعيش الإنسان في بيئة يشعر فيها بالخطر على صحته وصحة أسرته، تتولد لديه حالة مستمرة من القلق والتوتر.ويؤكد خبراء علم النفس أن الضغوط البيئية المتواصلة قد تؤدي إلى اضطرابات النوم والشعور بالإجهاد النفسي، كما تؤثر على الاستقرار الأسري والعلاقات الاجتماعية.فالخوف اليومي على الأطفال، والانشغال الدائم بالمشكلات الصحية، قد يحول حياة بعض الأسر إلى دائرة من القلق المستمر.المصانع شريك في التنميةفي المقابل، لا يمكن تجاهل الدور الحيوي الذي تقوم به المصانع في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل لآلاف الأسر.

فالصناعة كانت وما زالت أحد أهم عوامل التنمية في شبرا الخيمة، وأسهمت لعقود طويلة في خلق فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة للعديد من المواطنين.ومن هنا فإن القضية لا يجب أن تُطرح باعتبارها مواجهة بين الأهالي والمصانع، بل باعتبارها بحثًا عن التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على صحة الإنسان.المسؤولية المجتمعية ضرورة وليست رفاهيةالمجتمعات الحديثة لم تعد تقيس نجاح الشركات بحجم الإنتاج فقط، بل بمدى التزامها بالمعايير البيئية وحماية المجتمع المحيط بها.
ومن ثم فإن الاستثمار في أنظمة تنقية الهواء، وتطوير خطوط الإنتاج، وصيانة الفلاتر، وإجراء القياسات البيئية الدورية، لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من مسؤولية أي منشأة صناعية تجاه المجتمع.أين دور الجهات الرقابية؟يبقى الدور الأهم للجهات المختصة في متابعة مستويات الانبعاثات وجودة الهواء بشكل دوري، وإعلان النتائج للرأي العام بشفافية، والتأكد من التزام جميع المنشآت الصناعية بالاشتراطات البيئية والقانونية.كما أن الاستجابة السريعة لشكاوى المواطنين وإجراء القياسات الميدانية المنتظمة تمثل خطوة ضرورية لبناء الثقة بين المجتمع والجهات المعنية.الحل ليس في إغلاق المصانعالحل لا يكمن في إيقاف عجلة الإنتاج أو إغلاق المصانع، كما أنه لا يكون بتجاهل شكاوى المواطنين ومخاوفهم.الحل الحقيقي يبدأ من حوار جاد بين جميع الأطراف، يضمن استمرار التنمية الصناعية من جهة، ويحافظ على حق المواطنين في هواء نظيف وبيئة صحية من جهة أخرى.فالأطفال الذين يلعبون اليوم في شوارع بهتيم هم عمال ومهندسو وأطباء الغد، وحمايتهم ليست مسؤولية أسرة أو جهة بعينها، بل مسؤولية مجتمع كامل. كلمة أخيرة قد تختلف الآراء حول حجم المشكلة وأسبابها، لكن الجميع يتفق على حقيقة واحدة: صحة الإنسان يجب أن تظل أولوية لا تقبل المساومة.فالتنمية الحقيقية ليست مصانع أكثر فقط، بل هي أيضًا رئة نظيفة يتنفس منها المواطن، وطفل ينمو في بيئة آمنة، وأسرة تشعر بأن حقها في الحياة الكريمة مصان ومحفوظ.وعندما تلتقي الصناعة مع المسؤولية، يصبح الإنتاج قوة للبناء، لا مصدرًا للقلق، وتصبح التنمية طريقًا لمستقبل أفضل للجميع.
