جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

الأوكتاجون يرسخ مفهوم القوة الشاملة للدولة المصرية في مواجهة تحديات الحروب الحديثة

بقلم الكاتب الإعلامي حسن حسني مساعد رئيس الحزب العربي للعدل والمساواة

​تشهد المنطقة العربية والعالم بأسره تحولات جيوسياسية متسارعة فرضت أنماطاً جديدة من الصراعات والحروب الحديثة، مما جعل الحفاظ على الأمن القومي مسألة وجودية تتطلب فكراً استراتيجياً غير تقليدي، وفي هذا السياق يمثل افتتاح صرح الأوكتاجون الجديد محطة تاريخية حاسمة تعكس رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي في بناء دولة قوية قادرة على مجابهة التحديات المحيطة بها، وتؤكد هذه الرؤية الثاقبة على الأهمية القصوى للسعي الحثيث نحو امتلاك كافة عناصر قوة الدولة بمفهومها الشامل بشقيه المادي والمعنوي لضمان الاستقرار وصون المقدرات الوطنية والعربية.​ويتجاوز مفهوم قوة الدولة مجرد امتلاك العتاد أو الوفرة الاقتصادية، بل يمتد ليشمل قدرتها الحقيقية على التأثير في سلوك الفاعلين الدوليين وتحقيق غاياتها الوطنية العليا سواء على الساحة الداخلية أو في الدائرتين الإقليمية والدولية، وتعد هذه القوة نتاجاً لتفاعل وتكامل مختلف الإمكانات والموارد المتاحة، بما يمكن الدولة من حماية أمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية وتعزيز مكانتها المرموقة في المجتمع الدولي وسط عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.​وترتكز القوة الشاملة للدول على منظومة متكاملة من المقومات المادية والمعنوية التي لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى، وتأتي في مقدمة هذه المقومات القوة السياسية التي تتمثل في كفاءة المؤسسات واستقرار النظام وقدرته على اتخاذ القرارات المصيرية وتنفيذها بكفاءة، وتتكامل هذه القوة مع المقوم الاقتصادي الذي يشكل عصب الدولة من خلال حجم الإنتاج وتوافر الموارد الطبيعية وحجم التجارة والتقدم التكنولوجي، فضلاً عن القوة البشرية المتمثلة في الكثافة السكانية المتعلمة والمؤهلة والخبرات الوطنية المتنوعة.​كما تشمل العناصر المادية القوة العلمية والتقنية القائمة على الابتكار والبحث العلمي، والقوة الثقافية والإعلامية القادرة على صياغة الرأي العام ونشر القيم والرسائل الإيجابية محلياً ودولياً، إلى جانب القوة الدبلوماسية وفاعلية بناء التحالفات الخارجية والتأثير في المنظمات الدولية، وفي المقابل تتجسد القوة المعنوية في ركيزتين أساسيتين هما التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى والإرادة السياسية الصلبة القادرة على مواجهة الأزمات وتوجيه الطاقات نحو تحقيق الأهداف المرسومة بدقة.​وتمثل القوة العسكرية الدرع الحامي لجميع هذه المقومات، وتُعرف بقدرة الدولة على حماية أراضيها ومصالحها الاستراتيجية وردع أي تهديدات خارجية محتملة وخوض الحروب عند الضرورة، ولا تقاس هذه القوة بحجم القوات المسلحة وأعداد الجنود في التشكيلات البرية والبحرية والجوية فحسب، بل تمتد لتشمل مستويات التسليح والتكنولوجيا الفائقة كأنظمة الدفاع الجوي المتطورة والقدرات السيبرانية، بالإضافة إلى جودة التدريب والكفاءة القتالية العالية وإعداد القادة والضباط بأساليب علمية حديثة.​ويرتبط نمو القوة العسكرية ارتباطاً وثيقاً بمدى جودة وبناء الصناعة العسكرية المحلية التي تسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتأمين الاحتياجات الحيوية، كما يرتكز هذا النمو على تحديث شبكة الطرق والبنية التحتية لتسهيل عمليات النقل والإمداد اللوجستي السريع، فضلاً عن الاقتصاد القوي الذي يوفر التمويل المستدام للإنفاق العسكري، بجانب كفاءة التخطيط وإدارة العمليات والقدرة على بناء التحالفات والتعاون الدفاعي مع الدول الصديقة، حيث تتكامل كل هذه الروافد لترسيخ المكانة الدولية للدولة.​وقد جاء عرض القدرات العسكرية الرفيعة الذي واكب افتتاح صرح الأوكتاجون ليعكس بوضوح أعلى درجات الجاهزية القتالية وتنوع مصادر التسليح لدى القوات المسلحة المصرية، حيث شهدت الفعاليات ظهوراً متميزاً لتشكيلات من المروحيات الهجومية ومروحيات النقل الثقيل من طراز شينوك، إلى جانب المقاتلات متعددة المهام مثل رافال وميج تسعة وعشرين وإف ستة عشر، وطائرات الإنذار المبكر والاستطلاع الجوي والنقل العسكري والتدريب، بالإضافة إلى منظومات الدفاع الجوي المتقدمة التي تؤكد التطوير الشامل لمنظومة الردع المصرية.​وتحمل هذه العروض العسكرية دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز المشهد الاحتفالي، إذ تبرز بوضوح القدرة الفائقة على القيادة والسيطرة وإدارة العمليات المشتركة بين مختلف الأفرع الرئيسية، وتثبت نجاح الدولة في تنويع مصادر تسليحها بين الأنظمة الشرقية والغربية بكفاءة استثنائية، كما تعكس الجاهزية التامة للقوات الجوية والدفاع الجوي في تأمين سماء الوطن، وتبرهن على حجم الإنجاز في تطوير البنية التحتية العسكرية ومراكز اتخاذ القرار الاستراتيجي في مصر.​إن الدولة المصرية نجحت بفعل هذا الفكر الاستراتيجي الشامل في الانتقال بمرونة واقتدار من وضعية مواجهة الأزمات ومحاصرة كرات اللهب والتهديدات المستمرة على كافة حدودها البرية والبحرية، لتصبح دولة راسخة وثابتة قادرة على مجابهة كافة أنماط الحروب الحديثة والجيل الجديد من الصراعات، وتسير بخطى واثقة نحو تعزيز مكانتها كقوة إقليمية محورية تجمع بين يديها كافة عناصر القوة المادية والمعنوية، بما يضمن صون الأمن القومي المصري والعربي ويحقق المصالح العليا للأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top