
بقلم الكاتبة / سمر شفيق
شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن صدور بيان مشترك رفيع المستوى بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي يحمل جملة من المواقف الاستراتيجية الحاسمة تجاه أبرز ملفات الأمن الإقليمي وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية والعلاقات الدبلوماسية مع إيران إلى جانب الأوضاع السياسية والعسكرية الراهنة في كل من لبنان والعراق.ورحب البيان في مستهله بتوقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بين واشنطن وطهران مثمناً جهود الوساطة الحيوية التي قامت بها كل من دولة قطر وباكستان في هذا الصدد والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر ودفع مسار الدبلوماسية الوقائية في المنطقة.وأكد الجانبان أن الحفاظ على زخم هذه المفاوضات يعد أمراً ضرورياً لإنهاء الأعمال العدائية ومنع إيران من تطوير سلاح نووي بما يضمن تعزيز ركائز الاستقرار المستدام ويمهد الطريق نحو صياغة أطر أمنية جماعية تشمل كافة الأطراف الإقليمية.وشددت القوى المجتمعة في الوقت ذاته على أن أي استثمار اقتصادي أو تبادل تجاري مستقبلي مع طهران سيبقى مشروطاً بمدى التزامها الكامل والفعلي ببنود مذكرة التفاهم الموقعة والوصول إلى الاتفاق النهائي الشامل الذي يحظى بقبول وتأييد المجتمع الدولي.مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي وضمانة الملاحة الدولية الحرةوركز البيان بشكل موسع على ملف أمن الممرات المائية الحيوية في المنطقة حيث شدد الطرفان على الأهمية القصوى لإعادة فتح مضيق هرمز باعتباره شرياناً رئيسياً لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة الدولية وتدفق البضائع بين الشرق والغرب.واعتبرت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي أن ضمان حرية الملاحة غير المقيدة في هذا الممر الاستراتيجي يمثل ركيزة جوهرية وأساسية لأمن الإقليم والعالم بأسره وهو ما يتطلب تنسيقاً أمنياً وعسكرياً مستمراً لمواجهة أي تهديدات محتملة.وأعلن الجانبان الأمريكي والخليجي معارضتهما الشديدة لفرض أي رسوم أو ضرائب غير قانونية أو اتخاذ أي محاولات أحادية من شأنها فرض السيطرة والنفوذ أو عرقلة حركة السفن التجارية في مضيق هرمز ومحيطه الجغرافي.مواجهة التهديدات الإقليمية وتقويض برامج التسليح غير المشروعةوجدد البيان المشترك التأكيد على أن تحقيق السلام المستدام والشامل في الشرق الأوسط يتطلب تصدياً حاسماً وجاداً للتهديدات الإيرانية المستمرة بما يشمل البرامج المتقدمة للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة ذات الأثر المزعزع للاستقرار.وطالب الجانبان بضرورة كف يد طهران عن دعم الفصائل المسلحة والوكلاء في المنطقة مديناً في هذا السياق الهجمات المتكررة التي تشنها جماعات عراقية موالية لإيران ضد المصالح الحيوية ودول مجلس التعاون الخليجي والتي تقوض جهود التهدئة المستمرة.وأشار المجتمعون إلى أن بناء الثقة في الإقليم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى احترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول السيادية والتوقف عن تمويل الذراع العسكرية غير النظامية التي تهدد السلم والأمن الدوليين.السيادة اللبنانية وحصر السلاح في يد المؤسسات العسكرية الرسميةوعلى الصعيد اللبناني حظي الملف بمساحة واسعة من التأكيدات المشتركة حيث أعربت واشنطن والعواصم الخليجية عن التزامها الكامل والصارم بسيادة لبنان وأمنه واستقراره الداخلي ووحدة أراضيه بعيداً عن التجاذبات الإقليمية الدولية.ورحب البيان بمسار المفاوضات الجارية بين إسرائيل ولبنان والتي تجرى برعاية أمريكية مباشرة مشدداً على ضرورة الحفاظ على زخم هذه المحادثات وفصلها تماماً عن أي نزاعات أو ملفات إقليمية أخرى قد تؤدي إلى عرقلتها أو تأخير الوصول لاتفاق.ولفت البيان الاستراتيجي إلى أن سيادة الدولة اللبنانية لن تتحقق بشكل فعلي وحقيقي طالما احتفظت جماعات غير حكومية بقدرات عسكرية وترسانات صاروخية خارج إطار القانون والمؤسسات الشرعية للدولة.ودعا البيان في ختامه إلى نزع سلاح كافة الجماعات المسلحة على الأراضي اللبنانية واستعادة احتكار الدولة اللبنانية الكامل للقوة وسلطة السلاح مع تقديم الدعم المطلق لقواتها المسلحة الرسمية لتمكينها من فرض الأمن والاستقرار وبسط نفوذها على كامل التراب الوطني.رؤية مستقبلية نحو استقرار إقليمي شاملوتأتي هذه التوافقات العميقة لتؤكد أن الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي تظل حجر الزاوية في مواجهة التحديات الراهنة ورسم ملامح مستقبل آمن ومزدهر للمنطقة برمتها.إن الرسالة الجوهرية التي يبعث بها هذا البيان تتمثل في أن استدامة الأمن الإقليمي والدولي لا يمكن أن تتحقق بالحلول المؤقتة بل تتطلب التزاماً صارماً بالقوانين الدولية وحماية الممرات المائية وحصر السلاح في يد الدول الشرعية لضمان بيئة آمنة تدعم التنمية والازدهار لجميع شعوب المنطقة.



