
بقلم جيهان حمودة
إلى صُنّاع الأعمال الدرامية التي تعيد تقديم الجرائم الحقيقية…أحسنتم كفنانين، وأبدعتم في الأداء، وأتقنتم تجسيد الشخصيات ووصف المشاهد، ولا أنكر أبدًا ما قد يقدمه العمل من جهد وإبداع فني… ولكن…هنا أتوقف قليلًا وأسأل:؟؟؟؟هل كل ما نستطيع تقديمه فنيًا… يجب أن نقدمه؟وهل كل جريمة حقيقية هزت الرأي العام، لازم تتحول إلى مسلسل أو فيلم، ونشاهد تفاصيلها مرة أخرى أمام أعيننا؟أنا لا أتحدث هنا كناقدة فنية، ولا أقيم التمثيل أو الإخراج أو التأليف.أنا مجرد فرد في هذا المجتمع، ومشاهدة رأت شيئًا وشعرت أنه قد يكون مضرًا أكثر من كونه نافعًا، ولذلك حبيت أشارككم وجهة نظري، دون أن أفرضها على أحد.فمن حق صُنّاع الفن أن يقدموا أعمالهم، ومن حقي كمشاهدة أن أتساءل:إحنا بنقدم الجريمة ليه؟؟السفاح…القضية الكاملة…حادث بني مزار…نيرة ومحمد عادل…وغيرها من القضايا التي شغلت الرأي العام.قضايا حقيقية، ضحايا حقيقيون، وأسر عاشت وجعًا حقيقيًا…فلماذا لا نكتفي أحيانًا بأن نسمع عن الجريمة، ونفهم أسبابها ونتائجها، بدلًا من أن نعيد بناء تفاصيلها أمام أعيننا؟لماذا لا نكتفي بأن نعرف أن شخصًا قتل؟لماذا يجب أن نشاهد كيف قتل؟لماذا يجب أن نرى الدم والعنف والاعتداء بكل هذه التفاصيل؟إيه الإضافة اللي أنا كمشاهدة هاخدها من رؤية البشاعة بعيني؟أنا لا أعترض على مناقشة الجريمة في الفن.بالعكس، الفن قادر على أن يناقش أخطر مشكلات المجتمع، ويكشف أسبابها، ويطرح أسئلة مهمة حول التربية والأسرة والعنف والتنمر والاضطرابات السلوكية والبيئة المحيطة بالإنسان.لكن هناك فرق كبير بين أن نناقش الجريمة، وبين أن نعيد إنتاج الجريمة كمشهد للفرجة والتشويق.وأحيانًا أشعر أن جزءًا من انجذاب الجمهور لهذه الأعمال لا يكون بسبب الفن وحده، وإنما بسبب الفضول:عايز أشوف القصة الحقيقية حصلت إزاي…عايز أشوف السفاح عمل إيه في ضحاياه…عايز أشوف لحظة القتل…عايز أعرف التفاصيل…وهنا أخاف من سؤال أكبر:هل أصبحنا نشاهد الجريمة لأننا نريد أن نفهمها، أم لأننا أصبحنا فضوليين تجاهها؟لأنني أخشى أن يتحول المجرم، من حيث لا نقصد، إلى بطل الحكاية.وتتحول مأساة الضحية إلى مادة للتشويق.وتتحول الجريمة التي كان المجتمع كله مصدومًا منها إلى مسلسل ننتظر حلقاته.مش لازم ننقل الواقع بكل بشاعتهالفن ليس كاميرا مراقبة.ليس مطلوبًا منه أن ينقل الواقع بكل عيوبه وبكل تفاصيله القاسية.نحن نعرف أن القتل بشع، ولا نحتاج إلى رؤية الدم حتى نفهم بشاعته.نعرف أن العنف مؤلم، ولا نحتاج إلى مشاهد قاسية حتى نتعاطف مع الضحية.وأحيانًا يكون التلميح أقوى من المشاهدة.ممكن جدًا تقول لي إن جريمة حدثت دون أن تجعلني أعيشها لحظة بلحظة.ممكن تخليني أفكر…ممكن تخوفني من عواقب الجريمة…ممكن تخليني أتعاطف مع الضحية…من غير ما تعود عيني على الدم.وأخطر ما أخشاه هو الاعتيادالعين لما تشوف مشاهد العنف مرة وراء مرة، ممكن تتعود.والقلب لما يتعرض للصدمات بشكل مستمر، ممكن تقل درجة استجابته لها.المشهد الذي كان يهز الإنسان من الداخل، قد يصبح مع الوقت مجرد مشهد درامي.وأنا لا أقول إن مشاهدة مسلسل عن جريمة ستجعل الإنسان مجرمًا، فالأمر بالتأكيد ليس بهذه البساطة.لكنني أتساءل عن تكرار التعرض للعنف والدم كجزء من المحتوى الترفيهي، وتأثير الاعتياد على طريقة استقبالنا لهذه المشاهد.لأننا أصلًا نعيش في عالم مليء بالقسوة.نسمع كل يوم عن جرائم وحروب ومآسٍ وأخبار صادمة.إحنا مش ناقصين عنف وقسوة.مش ناقصين ضغط نفسي غير مباشر.ومش ناقصين نخلي عين الإنسان تتعود على رؤية الدم وكأن الأمر أصبح عاديًا.وحتى لو كان العمل مصنفًا +18…الجريمة نفسها ملهاش سن.والمحتوى لا يبقى دائمًا محصورًا داخل الحلقة؛ فالمشاهد تنتشر بعد ذلك في المقاطع والمنصات ومواقع التواصل.طب ما هي دي قصص حقيقية؟؟؟؟وهنا أقول:حتى لو كانت حقيقية… مش معنى كده إن لازم ننقلها بكل تفاصيلها.الحقيقة ليست دائمًا مطالبة بأن تظهر كاملة أمام أعيننا حتى نتعلم منها.ممكن نحكي الحقيقة باحترام.ممكن نركز على الضحية بدلًا من الجاني.ممكن نبحث عن الأسباب بدلًا من استعراض التفاصيل.ممكن نسأل:؟؟؟إيه اللي وصل الإنسان للجريمة؟هل كانت هناك علامات تحذيرية؟هل كان هناك عنف سابق؟هل كان هناك خلل في التربية أو البيئة؟إزاي نحمي أولادنا؟إزاي نكتشف الخطر قبل وقوع الكارثة؟هنا يصبح العمل فعلًا ذا قيمة اجتماعية.وريّا وسكينة مثال يستحق السؤاللما اتقدمت أعمال عن ريا وسكينة، لم يكن التركيز على مشاهد الدم والعنف بهذه الصورة التي أصبحت موجودة في بعض الأعمال الحديثة.أنا لا أقارن بين الجرائم، ولا أقول إن جريمة أهون من أخرى.أنا فقط أتساءل:؟؟؟؟هل كان ممكن نحكي عن الجريمة ونوصل رسالتها من غير ما نشاهد كل تفاصيلها القاسية؟أنا أعتقد أن الإجابة نعم.والفن… رسالةأنا مؤمنة جدًا إن الفن رسالة.ومش معنى الرسالة إن كل عمل لازم يكون وعظيًا أو تعليميًا.لكن أتمنى أن تكون هناك مساحة أكبر للأعمال التي تبني ولا تهدم، تنفع ولا تضر، وتترك أثرًا طيبًا في نفس الإنسان.عندنا شخصيات عظيمة تستحق أن تُروى حكاياتها.علماء وأطباء ومبدعون وأبطال وإنسانون تركوا أثرًا حقيقيًا.لماذا لا نرى أعمالًا عن أحمد زويل، ومجدي يعقوب، وغيرهما من النماذج الملهمة؟أعمال تجعل شابًا يقول:أنا عايز أنجح… أنا عايز أتعلم… أنا عايز أعمل حاجة لها قيمة.مش كل بطولة لازم تكون بطولة شر.ومش كل قصة مثيرة لازم يكون محورها قاتلًا أو سفاحًا.وفي النهاية…!!!!أنا لا أطالب بمنع الأعمال التي تتناول الجرائم الحقيقية.ولا أقول إن رأيي هو الحقيقة المطلقة.ولا أفرضه على أحد.ده رأيي الشخصي والمتواضع كمشاهدة، وقد يختلف معي فيه آخرون، وأنا أحترم اختلافهم.لكنني أتمنى فقط أن نسأل قبل تقديم أي جريمة حقيقية على الشاشة:إيه الرسالة؟وإيه الأثر اللي هنسيبه في المشاهد؟هل سنجعله أكثر وعيًا؟أم أكثر اعتيادًا على العنف؟هل سنجعله يتعاطف مع الضحية؟أم نزيد فضوله تجاه تفاصيل الجريمة؟هل سنجعله يخاف من الجريمة ويحذر منها؟أم نجعل الجريمة نفسها مادة للإثارة؟لأنني أؤمن أن الفن قادر على أن يحكي أقسى الحكايات…من غير ما يجعلنا نعيش أقساها.يكفينا أننا سمعنا عن الجريمة…مش لازم نشوفها بعنينا كمان.وبكل احترام لصُنّاع الفن:أنتم قادرون على الإبداع…فاجعلوا إبداعكم يترك فينا أثرًا يستحق أن يبقى.
