جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

من أمن العقاب أساء الأدب… ولكن!الطالب المخطئ… إنسان قبل أن يكون مُعاقَبً

بقلم / جيهان حمودة

قرأت مؤخرًا عن واقعة في إحدى المدارس، عوقب فيها طالب بالفصل لمدة أسبوع بعد تصوير معلمته، ثم طُلب منه ومن والده الاعتذار لها في طابور المدرسة أمام جميع الطلاب والمعلمين.هذا الموقف تحديدًا هو ما دفعني لكتابة هذا المقال… ليس دفاعًا عن الخطأ، وإنما سؤالًا عن الطريقة التي نعاقب بها أبناءنا: هل نُصلح السلوك، أم نترك في النفس أثرًا قد لا يُمحى؟العقاب في المدارس.. نُصلح الخطأ دون أن نكسر الإنسان«من أمن العقاب أساء الأدب»… جملة قديمة، لكنها لا تعني أبدًا أن العقاب يجب أن يكون قاسيًا أو مُهينًا.فالطفل يحتاج أن يعرف منذ صغره أن هناك فرقًا بين الصح والخطأ، وأن لكل تصرف نتيجة، وأن احترام المعلم والمدرسة والآخرين ليس أمرًا قابلًا للتفاوض.نعم… الخطأ يجب أن يُحاسَب عليه صاحبه.لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نعاقب؟السؤال: كيف نعاقب؟لأن هناك فرقًا كبيرًا بين عقوبة تُعلّم الطفل، وعقوبة تكسر شيئًا بداخله.عندما نضع طالبًا في موقف مهين أمام زملائه، أو نجعله يشعر أنه أصبح موضع سخرية أو احتقار، فقد نكون عاقبناه على خطأ ارتكبه، لكننا في الوقت نفسه صنعنا داخله جرحًا قد يظل معه سنوات.قد ينسى الطفل تفاصيل العقوبة… لكنه قد لا ينسى أبدًا كيف شعر في تلك اللحظة.وهنا يجب أن نتوقف.المدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فقط، وإنما هي أيضًا المكان الذي تتشكل فيه شخصية الطفل، ويتعلم فيه كيف يخطئ وكيف يعتذر وكيف يتحمل نتيجة خطئه وكيف يبدأ من جديد.نحن لا نريد طالبًا يخاف من المدرسة، نريد طالبًا يحترمها.لا نريد طفلًا يطيع لأنه خائف من الإهانة، وإنما نريد إنسانًا يعرف لماذا كان ما فعله خطأ، ويقرر ألا يكرره لأنه أدرك قيمته ومسؤوليته.العقوبة التربوية الحقيقية لا تنتقم من الخطأ… بل تُصلحه.ومن حق المعلم أن تُصان كرامته، ومن حق المدرسة أن تضع قواعد واضحة وحازمة، ومن حق المجتمع أن يرى أبناءه يتعلمون الانضباط وتحمل المسؤولية.لكن في المقابل، للطالب أيضًا حق في أن تُحفظ كرامته الإنسانية.يمكن أن نستدعي ولي الأمر، ونناقش الطالب، ونلزمه بالاعتذار، ونمنعه من بعض الامتيازات، ونطبق اللوائح المدرسية، ونكلفه بمهمة إصلاحية أو تربوية مرتبطة بخطئه، ونجعله يدرك أن ما فعله له عواقب حقيقية… دون أن نحوله إلى مشهد أمام زملائه.فالهدف من العقوبة أن نقول له:«ما فعلته خطأ.»وليس:«أنت إنسان سيئ.»وهناك فرق هائل بين الجملتين.الأولى تُصلح السلوك، أما الثانية فقد تجرح صورة الطفل عن نفسه.والطفل الذي أخطأ اليوم لا يجب أن نحكم عليه بأنه سيظل مخطئًا إلى الأبد. نحن نعاقب السلوك، لا نهدم الإنسان.وأحيانًا تكون أقوى عقوبة هي أن نجعل الطفل يواجه خطأه في هدوء، ويفهم أثره، ويعتذر لمن أساء إليه، ويتحمل النتيجة، ثم نعطيه فرصة حقيقية ليُثبت أنه يستطيع أن يكون أفضل.لأن التربية ليست أن نجعل الطفل يخاف من العقاب…التربية أن نجعله يخاف أن يفقد احترامه لنفسه.نحن نحتاج إلى الحزم، نعم.ونحتاج إلى قوانين واضحة، نعم.ونحتاج إلى عقوبات تمنع الفوضى وتردع السلوكيات الخاطئة، نعم.لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى عقل تربوي يعرف أن الطفل الذي نقسو عليه اليوم قد يحمل أثر قسوتنا معه غدًا.فلنعلّم أبناءنا أن الخطأ له ثمن، ولكن الإنسان له قيمة.ولنعلّمهم أن الاعتذار قوة، وتحمل المسؤولية شجاعة، وتصحيح الخطأ فضيلة.فـ«من أمن العقاب أساء الأدب» ليست دعوة إلى الإهانة، وإنما تذكير بأن غياب الحدود قد يفتح باب الفوضى.وفي المقابل…وجود الحدود لا يعني غياب الرحمة.فالمدرسة القوية ليست التي يخاف منها الطلاب، وإنما التي يعرف فيها كل طالب أن هناك قانونًا لا يُستهان به، ومعلمًا تُحترم كرامته، وإدارةً حازمة، وفي الوقت نفسه… مكانًا يستطيع فيه من أخطأ أن يتعلم، ويعتذر، ويُصلح، ويبدأ من جديد.العقاب الذي يُهذب السلوك تربية…والعقاب الذي يكسر النفس جرح.نحن لا نُربي أطفالًا ليوم واحد في المدرسة…نحن نُربي إنسانًا سيحمل ما تعلمه منا طوال حياته.وفي النهاية… تذكّروا أن المدرسة لا تبني طالبًا بالعقاب وحده، وإنما تبني إنسانًا.نحن لا نريد أن نُخرج من مدارسنا أبناءً يخافون من الخطأ، بل أبناءً يعرفون الصواب، ويملكون شجاعة الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.فإذا كان العقاب ضرورة لضبط السلوك، فحفظ كرامة الطالب ضرورة لبناء الإنسان.لا تكسروا نفس طفلٍ من أجل أن تُعلّموه درسًا… علّموه الدرس، واتركوا نفسه سليمة ليكمل بناء مستقبله.لأننا حين نعاقب طالبًا، يجب أن يكون هدفنا أن يعود أفضل مما كان…لا أن يخرج من المدرسة وهو يحمل في داخله كسرةً لا يعرف كيف يداويها.ابنوا الإنسان أولًا… فالعلم بلا إنسان سوي، لا يصنع مستقبلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top