

بقلم: العقيد أيمن الخطيب
تأتي مشاركة جمهورية مصر العربية في قمة مجموعة البريكس المنعقدة في نيودلهي لتؤكد تحولاً استراتيجياً فارقاً ومحسوباً بوعي في مسار السياسة الخارجية والاقتصادية المصرية. إن تواجد مصر كعضو رسمي ومستدام في هذا التكتل الدولي الذي يستحوذ على ما يقارب أربعين بالمائة من حجم الاقتصاد العالمي ليس مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل يمثل شريان حياة جديد ومساحة واسعة للمناورة الاستراتيجية في تشكيل عالم متعدد الأقطاب.تتعدد الفرص التنموية والمالية التي تتيحها عضوية البريكس للقاهرة، حيث تأتي في مقدمة تلك المزايا إمكانية تخفيف الضغط المتزايد على النقد الأجنبي وخاصة الدولار الأمريكي. ويتحقق ذلك عبر تفعيل آليات التبادل التجاري بالعملات المحلية مع القوى الاقتصادية الصاعدة داخل التكتل مثل الصين والهند وروسيا، إلى جانب إبرام اتفاقيات تسوية تجارية ثنائية تتيح سداد قيمة الواردات الاستراتيجية كالقمح والآلات بالجنيه المصري أو بعملات الشركاء.كما تفتح هذه العضوية آفاقاً واسعة للوصول إلى تمويلات ميسرة من خلال الاستفادة المباشرة من بنك التنمية الجديد التابع للمجموعة. وتستطيع مصر تقديم المشروعات الكبرى في مجالات البنية التحتية والتحول الأخضر وتطوير الموانئ للحصول على قروض طويلة الأجل بفوائد منخفضة، مما يجنب الاقتصاد الوطني الشروط الهيكلية المجهدة التي تفرضها عادة مؤسسات التمويل الغربية.وعلى الصعيد اللوجستي، تساهم هذه الخطوة في تحويل مصر إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي من خلال دمج المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بشكل كامل في سلاسل الإمداد الخاصة بدول البريكس. ويتسق ذلك مع اتجاه الدولة ونواياها نحو إقامة مناطق صناعية مشتركة تتيح تصنيع المنتجات محلياً وإعادة تصديرها لكافة الأسواق الإفريقية ودول الشرق الأوسط.وعلى الرغم من هذه المكاسب الكبيرة، فإن مسار الانضمام لا يخلو من تحديات وسلبيات متوقعة يتوجب التعامل معها بحذر شديد. وتظهر في الأفق ضغوط وجاذبيات جيوسياسية تتمثل في التخوف من إمكانية تفسير الانضمام المصري على أنه انحياز لطرف دولي على حساب آخر، لا سيما في ظل التجاذبات القائمة بين الحلف الشرقي والغرب.ويضاف إلى ذلك خطر إغراق السوق المحلي عبر التدفق المحتمل للمنتجات والسلع الرخيصة من دول تتمتع بقدرات تصنيعية وهائلة كالصين والهند، وهو ما قد يشكل تهديداً كبيراً للصناعات الوطنية الناشئة. كما يبدو تفاوت المصالح الاقتصادية بين الدول الأعضاء واختلاف توجهاتها تحدياً آخر قد يبطئ من تنفيذ بعض المبادرات الطموحة مثل إطلاق عملة موحدة للتكتل.ولمواجهة هذه التحديات والحد من آثارها السلبية، تعتمد الدولة استراتيجية متكاملة تقوم على الحفاظ على التوازن الاستراتيجي وتنويع الشراكات الدولية دون الانخراط في أكتال عسكرية أو التورط في حالة الاستقطاب الحاد. وفي مواجهة مخاطر الإغراق، يتم تطبيق معايير جودة صارمة وتوفير حماية جمركية مؤقتة مع توجيه الاستثمارات الوافدة نحو الإنتاج المحلي المشترك بدلاً من الاقتصار على الاستيراد المباشر.أما فيما يتعلق ببطء التنسيق المالي الجماعي، فإن التوجه الأنسب يعتمد على التركيز على إبرام الاتفاقيات الثنائية الفعالة السريعة بين مصر وكل دولة من دول التكتل بشكل منفصل، بدلاً من انتظار التوافق الجماعي الكامل الذي قد يستغرق وقتاً أطول.إن الحضور المصري القوي في قمة نيودلهي يعكس دراية عميقة بأن القوة الاقتصادية في العصر الحديث تُبنى بالأساس على تنويع التحالفات وتوزيع المخاطر. وتبرهن القاهرة من خلال هذه المحطات المتلاحقة على قدرتها على استغلال ثقلها التاريخي وموقعها الجغرافي الفريد للعب دور محوري يحقق التنمية المستدامة ويؤمن المصالح العليا للوطن.
كيف ترى انعكاس انضمام مصر لمجموعة البريكس على تعزيز قيمة الجنيه المصري وتنشيط حركة التجارة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال المرحلة المقبلة؟
