
بقلم د. رانيا فتيح
تتساءل الأقلام وتتحرك الضمائر الحية حينما تتماس القرارات الإدارية مع قيم المجتمع وثوابته الأساسية، وفي هذا السياق نرفع هذا النداء إلى أولي الأمر وأصحاب القرار في وطننا العزيز، مستنكرين التراجع الملحوظ في تقدير قيمة المعلم وكرامته، ومستفسرين لصالح من يتم الاستهتار بهذه القيم النبيلة في منظومتنا التعليمية، فكيف يصح أن يتحول المعلم، الذي يحمل إرث العلم الشريف ورسالته السامية، إلى سلعة رخيصة لا تجد التقدير المادي أو المعنوي الذي يليق بمكانتها العظمى في بناء المجتمعات وتنوير العقول.لقد شهدت الفترة الأخيرة إعلان وزارة التربية والتعليم عن مسابقات لتعيين معلمين جدد، وهي خطوة جاءت بعد أن فرغت المدارس الحكومية من كوادرها الأساسية، إثر خروج الغالبية العظمى من المعلمين القدامى إلى سن المعاش، وتفاقمت هذه الأزمة نتيجة قرار الدولة بوقف التعيينات المباشرة لخريجي كليات التربية على مدار عشرات السنين الماضية، مما خلق فجوة حقيقية في الميدان التعليمي.وبعد طول انتظار واجتياز اختبارات شاقة امتدت عبر مراحل زمنية مختلفة، نجحت الدولة في تعيين دفعتين من المعلمين بواقع ثلاثين ألف معلم لكل دفعة، وجاء هذا التعيين بعد رحلة طويلة من المعاناة والتدقيق شملت الكشوف الطبية وقياسات الوزن واختبارات الأكاديمية العسكرية، فضلاً عن المصاريف المالية الباهظة والامتحانات الإلكترونية المعقدة وتجهيز الأوراق والمستندات الرسمية.الصدمة الكبرى للاغتراب الجغرافيوفور صدور قرارات التعيين المنتظرة اصطدم المعلمون والمعلمات بواقع مرير تمثل في توزيعهم خارج نطاق سكنهم الجغرافي، ليجدوا أنفسهم مطالبين بالخدمة في مدارس تقع في مناطق نائية وبعيدة تماماً عن محال إقامتهم، وتتركز أغلب هذه المدارس في أرياف وعزب ونجوع تفتقر في كثير من الأحيان إلى الخدمات الأساسية ووسائل الانتقال الآمنة.ومن هنا نبدأ رصد المشكلة الحقيقية، حيث تطلب وزارة التربية والتعليم من المعلم أن يقوم بواجباته المهنية والتربوية على أكمل وجه، دون أن تنظر الوزارة إلى ضرورة تهيئة الظروف المناسبة التي تمكنه من أداء هذه الرسالة بكفاءة، فكيف لمعلم يسافر يومياً في الصباح الباكر ذهاباً وإياباً، ويواجه شتى المخاطر في وسائل المواصلات المختلفة، أن يمتلك الطاقة الذهنية والبدنية المطلوبة للمساهمة في تطوير العملية التعليمية.الأبعاد الأمنية والاجتماعية لمعاناة المعلماتإن القضية تتجاوز البعد الوظيفي لتصل إلى كرامة المرأة المصرية، فكيف تسمح الجهات المعنية لبناتنا ونسائنا بالتعرض اليومي للمضايقات المستمرة أثناء الانتقال إلى أماكن عملهن البعيدة، حيث يواجهن مخاطر التحرش والمعاكسات وحوادث السرقة والاختطاف لمجرد أنهن خرجن للمساهمة في بناء الوطن وكسب لقمة العيش الكريمة.ونتوجه بالحديث مباشرة إلى وزير التربية والتعليم لنؤكد أن المعلمات يمثلن قضية أمن قومي واجتماعي لا تقبل التهاون، ولا يجوز بأي حال من الأحوال الدفع بنساء وشابات وبنات الوطن في هذه الطرق الوعرة، والبدء بتعيينهن في قرى بعيدة لا يعرفن فيها أحداً ولا يجدن من يستنجدن به إذا تعرضن لمكروه، مع التأكيد على أن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة لا يعني أبداً تكبد المرأة العناء والمشقة الجسدية والنفسية فوق طاقتها.وإذا كان التوزيع الخارجي ضرورة لإعادة الانضباط للمدارس، فيمكن تطبيق هذه القرارات على المعلمين الرجال الذين يمتلكون القدرة الطبيعية على السفر والتنقل والتعامل مع ظروف الاغتراب، أما النساء فيجب وضع استثناء حاسم لهن يضمن تعيينهن في النطاق الجغرافي القريب من مساكنهن، نظراً لطبيعتهن ومسؤولياتهن الاجتماعية الكبيرة.استقرار المعلمة حماية للمجتمعإن المعلمات في نهاية المطاف هن أمهات وربات بيوت، خرجن للعمل من أجل استكمال مسيرة بناء المجتمع وصناعة أجيال واعية وتربية أبناء الوطن، ولا داعي لوضعهن في ظروف قاسية تؤثر على استقرارهن النفسي والأسري، فاغتراب المعلمة خارج محل سكنها للعمل في مدرسة نائية يمس الأمن الأسري والقومي في جوهره.ونحن على يقين تام بأن القيادة السياسية لا ترغب في رؤية نساء الوطن يعانين من هذه المشقة، حيث أولى رئيس الجمهورية المرأة المصرية اهتماماً كبيراً منذ توليه الحكم، وجعلها دائماً في المقام الأول، وكان مسانداً وداعماً لها في شتى المجالات، والجميع يعلم مدى تقدير الرئاسة لأمهات الوطن ودورهن في الحفاظ على الهوية والاستقرار.رسالة استغاثة إلى القيادة السياسيةوفي ختام هذا الطرح يلتمس قطاع عريض من المعلمات المتضررات من رئيس الجمهورية السيد عبد الفتاح السيسي، ورئاسة مجلس الوزراء، ووزير التربية والتعليم، إعادة النظر في التوزيع الجغرافي للمعلمات، وإلغاء شرط التعيين خارج النطاق الجغرافي للمرأة، تحقيقاً للاستقرار الأسري والاجتماعي في مصر.إن المرأة تمثل نصف المجتمع وهي التي تتولى تربية وتعليم النصف الآخر، وهذه التضحيات والمجهودات تستوجب توفير الرعاية والحماية لها، وثقتنا كاملة في أن القيادة السياسية ستتدخل لرفع هذه المشقة عن المرأة والمعلمة المصرية، تقديراً لاعتزاز الدولة الدائم بنساء مصر وصوناً لكرامتهن.

