
بقلم الدكتورة رانيا فتيح
يمثل الأمن القومي لأي دولة ركيزة أساسية تتجاوز المفهوم العسكري التقليدي لتشمل حماية العقول وبناء الإنسان، وفي هذا السياق، تبرز منظومة التعليم كخط الدفاع الأول عن مستقبل الوطن وقدرته على النهوض والتقدم. إن ما نشهده في بعض لجان امتحانات الثانوية العامة من ظواهر الغش الجماعي المنظم والممنهج لا يعد مجرد مخالفة تربوية أو سلوكية عابرة، بل هو مساس مباشر بالأمن القومي المصري يستوجب وقفة حازمة ومناهضة شاملة من كافة مؤسسات الدولة والمجتمع.ولا يمكن إيجاد أي مبرر منطقي أو أخلاقي لاستمرار مثل هذه الممارسات المؤسفة داخل المؤسسات التعليمية، فكيف لدولة عريقة تمتلك تاريخاً حضارياً ممتداً مثل مصر أن تسمح بوجود ثغرات في منظومتها التعليمية قد تؤدي إلى إفراز خريجين يعتمدون على الخداع والتدليس، إن استمرار هذه الظاهرة يهدد بهدم قيم العدالة وتكافؤ الفرص، ويضرب في مقتل جهود الدولة المستمرة لتطوير التعليم وبناء مجتمع المعرفة.مخاطر مأسسة الغش وتأثيرها على وعي الأجيال القادمةلقد تحول الأمر في بعض الأحيان إلى سلوك غريب تقوده رغبات واهمة من بعض أولياء الأمور الذين يسعون إلى تأمين لجان خاصة أو تسهيل وسائل الغش لأبنائهم، مما يعكس خللاً تربوياً واجتماعياً خطيراً. وعندما يصبح الغش منظومة يسعى البعض لشرائها، فإننا نكون أمام تزييف حقيقي لمخرجات التعلم، حيث يفقد التعليم قيمته الجوهرية ويتحول إلى مجرد شهادات ورقية لا تعكس أي معرفة أو مهارة حقيقية لدى الطالب.إن الخطورة الكبرى للغش الجماعي تكمن في الأثر النفسي والتربوي طويل المدى على سلوك أبناء الوطن، فالغش يرسخ في نفوس الشباب قيم الكسل والتراخي وانعدام الضمير، ويسهم في صناعة شخصية سلبية تعتاد الحصول على ما ليس لها بغير وجه حق. وهذا التوارث السلوكي ينتج أجيالاً تبتكر طرقاً وأساليب تكنولوجية حديثة لسرقة جهود الآخرين وأحلامهم، بدلاً من استثمار طاقتهم في البحث والابتكار والتحصيل العلمي الجاد.انعكاسات غياب العدالة التعليمية على بنية المجتمع ومؤسساتهحينما يتسلل الغش إلى عقول الطلاب ويصبح أسلوب حياة، يختفي الطالب المجتهد وتتبعثر آليات التعليم الحقيقي لتختزل المنظومة بأكملها في أدوات وأجهزة تكنولوجية كالسماعات والهواتف المحمولة. هذه الحرب الخفية التي تستهدف عقول الشباب تسلبهم شرف العلم وقيمة العمل، وترمي بهم في براثن الخداع، مما ينعكس سلباً على كافة القطاعات الحيوية في الدولة خلال السنوات المقبلة.والنتيجة الحتمية لسيادة هذا المنطق هي ظهور الطبيب غير المؤهل الذي يعجز عن تحمل المسؤولية الطبية وإنقاذ الأرواح، والمهندس الذي يفتقر للأمانة العلمية والقواعد الهندسية مما يهدد سلامة المنشآت، والمعلم الذي يفقد رسالته التربوية السامية، وصولاً إلى تراجع الكفاءة في كافة الوظائف والمناصب القيادية والمهنية، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لسلامة المجتمع واستقراره.معركة الوعي والمسؤولية الوطنية لحماية حقوق المجتهدينإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركاً فورياً من أولي الأمر والمسؤولين في الدولة للدفاع عن حقوق الطلاب المجتهدين وإعادة الهيبة للمنظومة التعليمية، فإعطاء كل ذي حق حقه هو السبيل الوحيد لمنع انتشار مشاعر الإحباط واللامبالاة بين الشباب، وحمايتهم من السخط والشعور بغياب العدالة.وتخوض الدولة المصرية اليوم معركة حقيقية للوعي، وهي من أشرس المعارك لأنها لا تدار بأسلحة تقليدية بل بالفكر والقيم ومواجهة الظواهر السلبية المستترة. وتظل مصر دائماً قوية بأبنائها المخلصين، فالأوطان لا تبنى إلا بسواعد قوية وعقول واعية تدرك حجم التحديات وتعمل بإخلاص من أجل رفعة الوطن وإعلاء شأنه في كافة المحافل.

