جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

الأزهر الشريف.. منارة العلم وقبلة الوسطية وكنز العمارة الإسلامية الخالد

بقلم: د/ حنان مكاوى يظل الأزهر الشريف واحدًا من أعظم الصروح الدينية والعلمية والحضارية في العالم الإسلامي، فهو ليس مجرد مسجد أو مؤسسة تعليمية عريقة، بل يمثل رمزًا خالدًا للوسطية والاعتدال، ومنارة للعلم والمعرفة امتد نورها لأكثر من ألف عام. ومن قلب القاهرة التاريخية، واصل الأزهر أداء رسالته السامية في نشر صحيح الدين وترسيخ قيم التسامح والتعايش، ليصبح المرجعية الأبرز للمسلمين السنة في مختلف أنحاء العالم.وعلى مدار قرون طويلة، نجح الأزهر الشريف في الجمع بين رسالته الدينية والعلمية ودوره الوطني والحضاري، محافظًا على مكانته المرموقة باعتباره حصنًا للفكر المستنير وحاميًا للغة العربية والتراث الإسلامي، ومصدر إشعاع ثقافي وفكري تجاوز حدود مصر إلى مختلف القارات.نشأة الأزهر الشريف وبداية مسيرة خالدةتأسس الجامع الأزهر عام 972 ميلاديًا الموافق 361 هجريًا على يد القائد جوهر الصقلي خلال عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، ليكون أحد أهم المعالم الإسلامية التي شهدتها الحضارة العربية والإسلامية.ويرى العديد من المؤرخين أن تسمية الأزهر جاءت تيمنًا بالسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ابنة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. ومع تطور الأحداث التاريخية وتعاقب الدول الإسلامية، تحول الأزهر في عهد الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي إلى قلعة للمذهب السني ومنبر علمي يجمع مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية، ليبدأ مرحلة جديدة من التأثير العلمي والفكري استمرت حتى يومنا هذا.رسالة علمية تنشر الوسطية والاعتدالتميز الأزهر الشريف منذ تأسيسه بمنهج وسطي متوازن يجمع بين العقل والنقل ويرفض الغلو والتطرف، وهو ما جعله نموذجًا عالميًا للفكر الإسلامي المعتدل.وتعد جامعة الأزهر من أقدم الجامعات المستمرة في العالم، حيث لم تقتصر رسالتها على تدريس العلوم الشرعية واللغوية فقط، بل امتدت لتشمل العلوم الطبية والهندسية والعلمية والإنسانية، في تجسيد حقيقي لفلسفة الإسلام التي تدعو إلى العلم والمعرفة في مختلف المجالات.كما يستقبل الأزهر الشريف آلاف الطلاب الوافدين من أكثر من مائة دولة حول العالم، يتلقون العلوم الشرعية والفكر الوسطي المعتدل قبل أن يعودوا إلى بلدانهم سفراء للسلام والتسامح ونشر قيم التعايش بين الشعوب.دور وطني راسخ في خدمة الوطن والأمةلم يكن الأزهر الشريف يومًا بعيدًا عن قضايا الوطن أو هموم الأمة الإسلامية، بل ظل حاضرًا في مختلف المحطات التاريخية الكبرى.فقد لعب علماء الأزهر دورًا بارزًا في مقاومة الحملة الفرنسية على مصر، وقادوا الحراك الشعبي خلال ثورتي القاهرة الأولى والثانية، كما كان للأزهر دور محوري في مواجهة الاحتلال البريطاني وتعزيز روح الوطنية بين أبناء الشعب المصري.وإلى جانب دوره الوطني، أسهم الأزهر في قيادة العديد من حركات الإصلاح والتنوير الفكري والاجتماعي، من خلال نخبة من كبار العلماء الذين أثروا الحياة الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي.مؤسسات الأزهر الشريف ودوره المتكامليضم الأزهر الشريف منظومة مؤسسية متكاملة يقودها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وتعمل على أداء رسالته العلمية والدعوية في مختلف المجالات.وتشمل هذه المنظومة مجمع البحوث الإسلامية الذي يُعنى بدراسة القضايا الفكرية والفقهية المعاصرة، وجامعة الأزهر بفروعها المنتشرة في مختلف المحافظات المصرية، بالإضافة إلى قطاع المعاهد الأزهرية الذي يتولى تعليم ملايين الطلاب في مراحل التعليم قبل الجامعي.وترتبط دار الإفتاء المصرية تاريخيًا وروحيًا بمنهج الأزهر الوسطي، بما يعزز من وحدة المرجعية الدينية المعتدلة في مصر.الأزهر الشريف متحف مفتوح لفنون العمارة الإسلاميةلا تقتصر عظمة الأزهر الشريف على رسالته الدينية والعلمية فحسب، بل يمتد تميزه ليشمل جانبًا معماريًا فريدًا يجعله أحد أهم الشواهد الحية على تطور العمارة الإسلامية عبر أكثر من ألف عام.فالجامع الأزهر ليس بناءً شُيد في عصر واحد، بل هو سجل معماري متكامل يعكس بصمات الدول التي تعاقبت على حكم مصر، بداية من العصر الفاطمي مرورًا بالعصرين الأيوبي والمملوكي ووصولًا إلى العهد العثماني وأسرة محمد علي.ولهذا السبب ينظر إليه الباحثون باعتباره متحفًا معماريًا مفتوحًا يجمع بين مدارس فنية متعددة تنصهر جميعها في لوحة واحدة من الإبداع والجمال.القلب الفاطمي الذي حفظ روح الأزهرعند تأسيس الجامع الأزهر اعتمد بناؤه على التخطيط التقليدي للمساجد الإسلامية الكبرى، حيث يتوسطه صحن واسع مكشوف يوفر الإضاءة الطبيعية والتهوية، وتحيط به الأروقة من مختلف الجهات.كما تميز الجامع بالمجاز القاطع الذي يمتد من الصحن إلى المحراب داخل ظلة القبلة، وهو عنصر معماري مستوحى من عمارة مساجد شمال إفريقيا، ويُعد من أبرز السمات الفاطمية التي لا تزال شاهدة على البدايات الأولى للأزهر الشريف.مآذن الأزهر تروي تاريخ القاهرةتمثل مآذن الأزهر الشريف إحدى أجمل صفحات العمارة الإسلامية في مصر، حيث تعكس كل مئذنة مرحلة تاريخية مختلفة من تطور الفن المعماري.وتبرز مئذنة السلطان قايتباي باعتبارها واحدة من أروع المآذن المملوكية، بما تتميز به من زخارف حجرية هندسية دقيقة وتكوين معماري متوازن يعكس براعة فناني العصر المملوكي.أما مئذنة السلطان الغوري فتعد من أكثر المآذن تميزًا في القاهرة الإسلامية، حيث تنفرد بتصميمها ذي الرأسين، وهو طراز معماري نادر يعكس الثراء الفني الذي بلغته العمارة المملوكية في أواخر عهدها.وتأتي مئذنة الأمير عبد الرحمن كتخدا لتجسد الطابع العثماني الرشيق، حيث تجمع بين البساطة والأناقة مع الحفاظ على الروح المعمارية المصرية الأصيلة.زخارف فاطمية تحكي روعة الفن الإسلاميتزدان أروقة الأزهر وجدرانه بالعديد من العناصر الزخرفية التي تعكس عبقرية الفنان المسلم عبر العصور.وتظهر العقود الفاطمية المحيطة بالصحن بأشكالها المميزة التي تميل إلى الداخل، بينما ترتكز على أعمدة رخامية أثرية تضيف بعدًا تاريخيًا وجماليًا للمكان.كما تنتشر الزخارف الجصية الدقيقة التي تضم آيات قرآنية مكتوبة بالخط الكوفي المزهر، تتداخل معها الزخارف النباتية والهندسية في تناغم فني يعبر عن جماليات الحضارة الإسلامية وثرائها البصري.المدارس الملحقة شاهد على ازدهار الحركة العلميةمع توسع الدور التعليمي للأزهر الشريف، أُلحقت به مجموعة من المدارس التي أصبحت جزءًا من منظومته العلمية والمعمارية.وتعد المدرسة الطيبرسية والمدرسة الأقبغاوية من أبرز هذه المنشآت، حيث تتميزان بالمحاريب المزخرفة والفسيفساء الرخامية الدقيقة التي تعكس روعة الفن المملوكي.كما تتميز المدرسة الجوهرية بقبتها المزخرفة ونقوشها النباتية المحفورة في الحجر، لتضيف بعدًا فنيًا آخر إلى المشهد المعماري للأزهر.توسعات تاريخية عززت مكانة الجامعشهد الأزهر الشريف العديد من أعمال التطوير والتوسعة عبر العصور، وكان من أبرزها التوسعات الكبرى التي نفذها الأمير عبد الرحمن كتخدا في القرن الثامن عشر.وقد شملت هذه الأعمال زيادة مساحة الجامع وإنشاء إضافات معمارية مهمة، إلى جانب تطوير المداخل والأروقة بما حافظ على الطابع التاريخي للمكان وأتاح استيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين وطلاب العلم.ويعد باب المزينين أحد أبرز معالم هذه التوسعات، حيث يجمع بين الفخامة المعمارية والزخارف الإسلامية الدقيقة التي تعكس جمال الفن الإسلامي في تلك الحقبة.الأزهر الشريف رسالة مستمرة عبر الزمنعلى مدار أكثر من ألف عام، ظل الأزهر الشريف منارة للعلم والإيمان وركيزة أساسية في الحفاظ على الهوية الإسلامية واللغة العربية ونشر قيم الاعتدال والرحمة بين الناس.ولعل عظمة الأزهر لا تكمن فقط في تاريخه العريق أو معماره الفريد، بل في رسالته المستمرة التي تربط الماضي بالحاضر وتصنع جسورًا نحو المستقبل. وسيبقى الأزهر الشريف الشجرة الطيبة التي تؤتي ثمارها في كل زمان ومكان، حاملاً راية العلم المستنير، ومدافعًا عن جوهر الإسلام الحقيقي القائم على المحبة والتسامح والتعايش والسلام بين البشر، مهما تعاقبت العصور وتغيرت الأزمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top