
بقلم: آية نور
تحتل القصة القصيرة مساحة خاصة في المشهد الأدبي، لما تمتلكه من قدرة على تكثيف الأحداث والمشاعر، وطرح قضايا إنسانية واجتماعية عميقة في مساحة محدودة. ومن بين التجارب التي تلفت الانتباه تجربة الكاتب أحمد اللايح من خلال مجموعتيه القصصيتين «رحلة آدم» و**«طريق الخروج الآمن»**، اللتين تطرحان عددًا من الأسئلة حول الإنسان، والواقع، والصراع الداخلي، والبحث عن النجاة.وفي هذا الحوار، يتحدث أحمد اللايح عن تجربته القصصية، ودور الرمز، وعلاقته بالشخصيات، وفلسفة النهايات المفتوحة، وكيف يمكن للقصة القصيرة أن تلامس الواقع دون أن تتحول إلى خطاب مباشر.كيف تصف تجربتك مع القصة القصيرة، وما الذي يجذبك إليها؟* أجاب الكاتب أحمد اللايح: القصة القصيرة بالنسبة لي مساحة شديدة الخصوصية، لأنها تجبر الكاتب على الاختزال والتركيز، فلا توجد مساحة كبيرة للتفاصيل الزائدة. أحاول دائمًا أن ألتقط لحظة إنسانية محددة، لكنها تحمل في داخلها أسئلة أكبر من حجمها، سواء كانت مرتبطة بالنفس أو بالمجتمع أو بعلاقة الإنسان بذاته وبالآخرين.في «رحلة آدم» نجد حضورًا واضحًا للرمز، ما الذي دفعك إلى الاعتماد عليه؟- الرمز بالنسبة لي ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة للتعبير عن أشياء قد يكون من الصعب طرحها بصورة مباشرة. في «رحلة آدم» كان الصراع الإنساني حاضرًا بقوة، خاصة الصراع بين الخير والشر، وبين ما نريده وما تفرضه علينا الحياة. لذلك وجدت أن الرمز يسمح بطرح هذه الأسئلة بطريقة تترك مساحة للقارئ حتى يشارك في اكتشاف المعنى.* المجموعة تضم اثنتي عشرة قصة، فهل هناك رابط فكري أو إنساني يجمع بينها؟- ربما لا يوجد رابط حكائي مباشر، لكن هناك خيط إنساني يجمع بينها. كنت مهتمًا بفكرة الإنسان في مواجهة ذاته، واختبار اختياراته، ومحاولة فهم الدوافع التي تقف خلف أفعاله. كل قصة تحاول أن تضع الشخصية أمام موقف يكشف شيئًا من داخلها.* هل تخشى أن يتحول الرمز إلى نوع من الغموض الذي يصعب على القارئ فهمه؟- بالتأكيد هناك فرق بين الرمز والغموض. أنا لا أبحث عن إرباك القارئ، وإنما عن إشراكه. أحب أن أترك مساحة للتأويل، لكن في الوقت نفسه يجب أن يظل هناك خيط يمكن للقارئ أن يمسك به. القصة في النهاية علاقة بين الكاتب والقارئ، وكلما تركت له مساحة للتفكير أصبحت مشاركته أكبر.* ننتقل إلى «طريق الخروج الآمن».. كيف تختلف هذه المجموعة عن «رحلة آدم»؟- «طريق الخروج الآمن» أكثر التصاقًا بالواقع اليومي. المجموعة تضم تسع قصص تقترب من الإنسان العادي وما يواجهه من ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية. بينما كان الرمز أكثر حضورًا في «رحلة آدم»، أصبحت الواقعية النفسية أكثر وضوحًا في «طريق الخروج الآمن».* عنوان «طريق الخروج الآمن» يحمل دلالة كبيرة.. ماذا يعني لك؟- الخروج الآمن ليس مجرد الهروب من مشكلة أو الوصول إلى مكان أفضل. بالنسبة لي هو قدرة الإنسان على تجاوز أزماته دون أن يخسر نفسه. قد يخرج الإنسان من أزمة ماديًا، لكنه يخسر شيئًا من مبادئه أو توازنه النفسي، وهنا يصبح السؤال: هل خرج فعلًا بأمان؟* نلاحظ في أعمالك حضورًا للصراع الداخلي.. لماذا تهتم بهذا الجانب؟_ لأنني أرى أن الصراع الحقيقي غالبًا يبدأ من الداخل. الإنسان قد يبدو هادئًا من الخارج، بينما يخوض بداخله معارك كثيرة. لذلك أهتم بأن أقترب من دواخل الشخصيات، وأن أجعل القارئ يرى ما لا تقوله الشخصية بشكل مباشر.* وماذا عن النهايات المفتوحة التي تظهر في بعض القصص؟_ أحب النهايات التي لا تغلق الباب تمامًا أمام القارئ. النهاية المفتوحة تمنحه فرصة لأن يسأل ويحلل ويضع تصوره الخاص لما حدث. لا أريد دائمًا أن أقدم إجابة جاهزة؛ أحيانًا يكون السؤال أهم من الإجابة.* هل ترى أن الكاتب يجب أن يقدم حلولًا للقضايا التي يطرحها؟_ ليس بالضرورة. دور الكاتب في رأيي أن يطرح الأسئلة بصدق، وأن يضع القارئ أمام موقف أو قضية تجعله يفكر. الأدب ليس كتاب إرشادات، ولذلك لا أحب أن تتحول القصة إلى خطاب مباشر أو موعظة.* كيف تصف لغتك القصصية؟ وهل الاختزال اختيار فني أم ضرورة تفرضها طبيعة القصة القصيرة؟_ هو اختيار فني في المقام الأول. أحب الجملة التي تؤدي وظيفتها دون زوائد، وأؤمن بأن التفاصيل يجب أن تكون موظفة لخدمة الشخصية والحدث. القصة القصيرة تحتاج إلى الاقتصاد، لكن الاقتصاد لا يعني الفقر، وإنما يعني أن تكون كل كلمة في مكانها.* إلى أي مدى تتأثر شخصياتك بالواقع والمجتمع؟_ الواقع هو أحد أهم مصادر الكتابة، لكنني لا أنقل الواقع كما هو. أحاول أن أعيد تشكيله داخل العمل الأدبي. الشخصية قد تكون مستوحاة من موقف حقيقي أو نموذج موجود في المجتمع، لكنها في النهاية تصبح شخصية أدبية لها عالمها ودوافعها وأسئلتها.* في رأيك، ما الذي يجعل القصة القصيرة ناجحة وقادرة على البقاء في ذاكرة القارئ؟- أن تترك أثرًا. قد ينسى القارئ تفاصيل كثيرة من القصة، لكنه يتذكر إحساسًا أو سؤالًا أو مشهدًا ظل معه بعد أن أغلق الكتاب. بالنسبة لي، نجاح القصة لا يقاس فقط بما تقوله، وإنما بما تتركه داخل القارئ.*وأخيرًا، ماذا تريد أن يجد القارئ في تجربتك؟ أحمد اللايح: أتمنى أن يجد الإنسان نفسه في بعض الشخصيات والمواقف، وأن يتوقف أمام بعض الأسئلة التي ربما لم يفكر فيها من قبل. لا أبحث عن تقديم إجابات نهائية، بقدر ما أبحث عن خلق لحظة تأمل حقيقية بين النص والقارئ.
هل تعتقد أن الأدب المعاصر مطالب بتقديم إجابات ومخرجات للأزمات النفسية والاجتماعية أم أن دوره يقتصر على طرح الأسئلة وإثارة التأمل؟

