جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

السقوط الأخلاقي في حي صبرة و بين مسرحية العدالة الدولية وغضب السيادة على الحدود المصرية.. ماذا يحدث في غزة؟

بقلم م/ سعد محمد العقبي​

تأملتُ كثيراً شاشات التليفزيون العالمية علي مدار سنوات وشهدت حروباً صاخبة وأزمات إقليمية متعاقبة غير أن الخلل الأخلاقي الذي يشهده العالم اليوم لم يبلغ قط هذه الدرجة من الانحطاط والوقاحة العارية. إن ما يجري في قطاع غزة لم يعد يصح تصنيفه ضمن المآسي الإنسانية الناجمة عن ظروف الحرب بل اصبح تعريفا ساطعا للنفاق دولي  تقوده منظومة أطلسية تسارع لإنقاذ أرواح بسيطة في الغرب وإقامة المناحات الإعلامية لأجلها بينما تغض النظر وتلتزم صمتا جائرا أمام استباحة شعب كامل يباد جهارا نهارا.​لعل الخدعة الكبرى التي تجرعتها البشرية في القرن الأخير هي مقولة المنظومة الدولية وقوانين حقوق الإنسان. اليوم تتكشف هذه المؤسسات الدولية الكبرى كمسرحية هزيلة ومبتذلة؛ ترفع رايات العدالة والشرعية حين تناسب التوازنات الجيوسياسية للدول الكبرى وتلتزم بالصمت التام عندما يتصل الأمر بالحق الفلسطيني. أي عدالة هذه التي تُقاس فيها قيمة الروح البشرية بجنسية الضحية ولونها ونوع جواز سفرها؟ إن المنظومة التي تعجز عن إيقاف جرائم حرب موثقة بالصوت والصورة وتكتفي بإصدار بيانات قلق خجولة ليست إلا شريكاً مستتراً في هذه المجازر.​حي صبرة.. حين تُنسح العائلات من السجل المدني​لو تأملنا ما جرى مؤخراً في حي صبرة جنوب مدينة غزة لربما أدركنا الحجم الحقيقي للهول. قصف طال منطقة سكنية أدى في لحظة خاطفة إلى إسقاط أكثر من 308 شخصاً بين شهيد ومفقود؛ طالت أنياب الموت 40 طفلاً و30 امرأة و7 من ذوي الهمم. الأرقام هنا ليست مجرد إحصائيات صماء تتداولها النشرات الأخبارية بل هي حكايات وأحلام وطموحات بُتِرت في لحظة غدر واحدة.​وفي جريمة يندى لها جبين البشرية مُحيت عائلات كاملة من السجل المدني للوجود. عائلتا أبو شريعة والحساينة وحديهما فقدتا نحو 112 شهيداً في ضربة واحدة. لم يتبقَ من هذه الأسر من يحمل اسمها أو يحفظ إرثها وكأنهم لم يعبروا هذه الأرض يوماً. هذا ليس مجرد قصف عسكري بل مسح وجودي ممنهج.​ولم تتوقف البشاعة عند حد القصف بل امتدت لتطال أدنى حقوق الإنسانية في التكريم والدفن. حين اضطرت فرق الإنقاذ المنهكة والأهالي المفجوعون للحفر بأيديهم وأظافرهم المتعبة لمدة 136 ساعة متواصلة تحت حرارة الشمس وركام الخرسانه المسلحه محاولين انتشال جثامين ذويهم. يأتي ذلك في ظل منع الاحتلال لآليات الإنقاذ ومعدات الحفر الحديثة من الدخول مما جعل أكثر من 157 جثماناً يربض تحت الركام لفترات طالت لشهور طويلة بل يقارب بعضها الألف يوم من الاحتجاز تحت التراب.​إن الصمت الدولي المريب تجاه المأساة لم يعد يرادف العجز القانوني أو الدبلوماسي بل أصبح شراكة صريحة ومباشرة في الجريمة. جُنحة هؤلاء المدنيين الوحيدة أنهم رفضوا الاستسلام وتمسكوا بأرضهم وترابهم حتى الرمق الأخير.​غضب في السيادة: التحركات عند الحدود المصرية​وفي سياق التصعيد والتمدد الاستعماري الأعمى تتواتر الأنباء والتقارير الميدانية المؤكدة حول شروع الاحتلال الإسرائيلي في بناء قاعدة عسكرية بالقرب من الحدود المصرية. إن هذه الخطوة لا تمثل مجرد استفزاز عسكري عابر بل تعد خرقاً صريحاً ومباشراً لبنود اتفاقية كامب ديفيد وللترتيبات الأمنية المقرة إقليمياً. إن محاولة فرض واقع أمني جديد على حدود مصر هي مغامرة غير محسوبة العواقب.​وهنا ينبغي الإشادة بوضوح وبلا مناورة بالموقف المصري الصلب إذ تقف القيادة المصرية والجيش المصري حائط صد منيعاً أمام القراءات والضغوط الدولية والإقليمية التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب السيادة المصرية. إن موقف القاهرة الثابت في حماية أمنها القومي ورفض التهجير القسري وإسناد الشعب الفلسطيني هو الركيزة الأساسية التي تمنع انهيار ما تبقى من معادلات التوازن في المنطقة.​تحية للصمود وتحذير للمستقبل​إن المقاومة الحقيقية في غزة ليست صموداً عسكرياً فحسب بل هي صمود أخلاقي وإنساني يعيد تعريف الكرامة في زمن الهوان. وجهتنا اليوم وكل يوم هي التحية والإجلال لهذا الشعب الأسطوري ولأرواح شهدائه الأبرار الذين كتبوا بدمائهم وثيقة كبرياء لن تمحوها ترسانات السلاح ولا نفاق العواصم الغربية.​إن التاريخ لا يرحم والمجلات الصحفية والوثائق لن تغفر لمن صمتوا أو برروا. إن الأزمة الراهنة والخرق المستمر للاتفاقيات الدولية يتطلبان مواجهة حازمة قبل أن تتسع رقعة الانفجار لتأكل الأخضر واليابس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top