جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

الجسد السليم والوعاء المنسي.. كيف تحولت نعم الله إلى تحديات صحية في العصر الحديث؟

بقلم الكاتب حمدي قنديل

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم، ومنحه جسدًا متوازنًا يتمتع بقدرات هائلة على التكيف والشفاء، ليكون قادرًا على عمارة الأرض وأداء رسالته في الحياة بقوة ونشاط. ولم يكن المقصود أن يقضي الإنسان سنوات عمره أسيرًا للأمراض المزمنة أو رهينًا للأدوية والمستشفيات، بل أن يعيش حياة عامرة بالصحة والعافية مستمتعًا بما أنعم الله به عليه من نعم لا تُحصى.وفي ظل الارتفاع المتزايد في معدلات الأمراض المزمنة حول العالم، يطرح كثيرون تساؤلات جوهرية حول الأسباب الحقيقية لهذا التراجع الصحي، وهل يعود الأمر إلى طبيعة الجسد البشري، أم إلى أنماط الحياة والغذاء التي فرضها العصر الحديث.الجسد ليس المتهم الأوليؤكد المختصون أن جسم الإنسان يمتلك منظومة دفاعية معقدة وقدرة كبيرة على مقاومة الأمراض إذا توافرت له الظروف الصحية السليمة. ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن المشكلة لا تكمن في طبيعة خلق الإنسان، وإنما فيما طرأ على البيئة والغذاء من تغيرات أفسدت كثيرًا من مقومات الصحة.ويستشهد بقوله تعالى ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، معتبرًا أن ما يشهده العالم من تلوث غذائي وانتشار للمواد الصناعية والإضافات الكيميائية يمثل أحد أبرز أسباب تزايد الأمراض، نتيجة تغليب المصالح المادية على صحة الإنسان.القرآن الكريم يرسم منهج الحفاظ على الصحةيرى الكاتب أن القرآن الكريم وضع منذ قرون أسسًا واضحة للحفاظ على صحة الإنسان، من خلال الدعوة إلى الاعتدال في الطعام والشراب والتأمل فيما يدخل إلى الجسد، مستشهدًا بقوله تعالى ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾، وقوله سبحانه ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.ويؤكد أن هذه التوجيهات تمثل منهجًا متكاملًا للوقاية من كثير من المشكلات الصحية، خاصة مع تزايد الاعتماد على الأغذية المصنعة والوجبات السريعة التي ارتبطت علميًا بارتفاع معدلات السمنة وأمراض القلب والسكري واضطرابات الجهاز الهضمي.كما يشير إلى أن العودة إلى الفطرة، والحرص على اختيار الغذاء الطبيعي، وتقليل الإفراط في تناول الطعام، والالتزام بالصيام باعتباره عبادة عظيمة ذات أبعاد روحية وصحية، تمثل خطوات مهمة للحفاظ على سلامة الجسد وتعزيز جودة الحياة.مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق المنتجين والتجاريوجه الكاتب رسالة مباشرة إلى كل مزارع ومصنع وتاجر يعمل في إنتاج أو تداول الغذاء، مؤكدًا أن لقمة الإنسان ليست سلعة عادية، بل أمانة عظيمة ومسؤولية أمام الله والمجتمع.ويشدد على ضرورة الابتعاد عن كل الممارسات التي قد تضر بصحة المستهلك، سواء من خلال الغش التجاري أو استخدام المواد الضارة أو الإفراط في المبيدات والمسرعات الكيميائية، مؤكدًا أن تحقيق الأرباح لا ينبغي أن يكون على حساب سلامة الإنسان.المال الحرام لا يجلب البركةيؤكد المقال أن الكسب القائم على الإضرار بصحة الناس لا يحمل بركة، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به»، باعتباره دعوة واضحة إلى تحري الحلال في جميع صور التجارة والإنتاج.ويرى الكاتب أن صحة الأطفال وكبار السن والمرضى ليست مجالًا لتحقيق المكاسب السريعة، وأن التجارة القائمة على الصدق والأمانة هي وحدها القادرة على تحقيق النجاح الحقيقي في الدنيا والآخرة.وعي المستهلك أصبح قوة مؤثرةيشير المقال إلى أن المستهلك اليوم أصبح أكثر وعيًا من أي وقت مضى، بفضل انتشار المعلومات الصحية وتزايد الاهتمام بالطب الوقائي والتغذية السليمة، وهو ما جعل الكثيرين أكثر حرصًا على قراءة مكونات المنتجات والبحث عن الأغذية الآمنة والطبيعية.ويؤكد أن هذا الوعي المتنامي سيدفع الأسواق إلى التغيير، إذ ستصبح الجودة والشفافية والالتزام بالمعايير الصحية عوامل أساسية في كسب ثقة المستهلك، بينما ستفقد المنتجات الضارة مكانتها تدريجيًا أمام الخيارات الصحية.تجارة نظيفة تصنع مجتمعًا أكثر صحةيشدد الكاتب على أن توفير غذاء آمن وصحي لا يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل رسالة إنسانية نبيلة تسهم في بناء مجتمع قوي يتمتع أفراده بالصحة والعافية، وتنعكس آثارها الإيجابية على التنمية والإنتاج وجودة الحياة.ويؤكد أن إصلاح منظومة الغذاء يبدأ بإصلاح النيات، والالتزام بالأمانة في الزراعة والتصنيع والتجارة، حتى تصبح لقمة الإنسان وسيلة للعافية لا سببًا للمرض.وفي ختام المقال، يوجه الكاتب رسالة تؤكد أن الحفاظ على صحة الإنسان مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد في حسن اختياره لما يأكل، وتمتد إلى المنتج والمزارع والتاجر في الالتزام بالأمانة، وإلى المجتمع في نشر ثقافة الغذاء الصحي. فالجسد نعمة عظيمة تستحق الرعاية، والالتزام بالقيم والأخلاق في إنتاج الغذاء ليس مجرد واجب مهني، بل رسالة إنسانية ودينية تثمر صحةً في الدنيا وأجرًا في الآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top