
بقلم م عصام عبدالعاطي.
تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة من مجرد أدوات للتواصل الافتراضي إلى محركات أساسية لتشكيل الوعي العام، ويأتي على رأس هذه المنصات موقع فيسبوك الذي بات المسرح الأكبر لظاهرة الترند أو المحتوى الأكثر رواجاً، حيث يمتلك القدرة السحرية على تحويل أي حدث عابر أو مقطع مصور أو تصريح مثير للجدل إلى مادة دسمة يتناقلها الملايين خلال ساعات معدودة.ويشهد الفضاء الرقمي يومياً تدفقاً هائلاً من الموضوعات المتنوعة التي تتصدر اهتمامات المستخدمين، وتتباين هذه القضايا لتشمل المنافسات الرياضية والفعاليات الفنية والملفات الاجتماعية، وصولاً إلى التحليلات السياسية والاقتصادية المعقدة التي تشغل الشارع، ومع التحديثات المستمرة والتطور الدائم في خوارزميات الذكاء الاصطناعي للمنصة الزرقاء أصبح المحتوى المرئي القصير والسريع هو الحصان الرابح والأكثر قدرة على الانتشار ومضاعفة المشاهدات.ويؤكد خبراء الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى أن وصول أي قضية إلى قمة التداول لا يحدث بمحض الصدفة، بل يعتمد على حزمة من العوامل الإستراتيجية التي تتصدرها سرعة النشر الفوري ومواكبة الأحداث الجارية، بجانب القدرة على صياغة رسالة بصرية أو نصية قادرة على تحفيز الجمهور للتفاعل المباشر ومخاطبة وجدان ومشاعر المتابعين في التوقيت المثالي، كما تمثل التعليقات والمشاركات الوقود الحقيقي الذي يدفع بالمنشورات إلى نطاقات انتشار أوسع تتجاوز القيود التقليدية للمنصة.وفي السياق المصري تكتسب الترندات طابعاً خاصاً يعكس حيوية المجتمع، حيث تتأرجح الاهتمامات بين ترقب نتائج الامتحانات الدراسية ومتابعة كواليس المشاهير من نجوم الفن والرياضة، بالإضافة إلى التفاعل مع الحوادث الكبرى والقضايا المعيشية اليومية التي تلامس حياة المواطن بشكل مباشر، وتتحول هذه العناوين سريعاً إلى ساحات نقاشية ممتدة لتبادل الآراء وتشكيل تيارات ضاغطة على أرض الواقع.وعلى الرغم من المزايا المتعددة للترند في تسليط الضوء على القضايا الهامة ونشر المعلومات وتداولها بسرعة فائقة، إلا أن هذه الظاهرة لا تخلو من التحديات والمخاطر، حيث تتصاعد المخاوف من انتشار الشائعات والأخبار المفبركة بشكل سرطاني، نتيجة تسابق بعض الصفحات والمنصات غير الرسمية لركوب الموجة بهدف تحقيق المكاسب المادية وزيادة معدلات التفاعل دون أدنى التزام بالمعايير المهنية أو التحقق من دقة المصادر.وتظل هذه الحالة الرقمية بمثابة سلاح ذي حدين، ففي الوقت الذي تمنح فيه صناع المحتوى والمؤسسات فرصة ذهبية للوصول السريع إلى الملايين وبناء قاعدة جماهيرية عريضة، فإنها تفرض في المقابل مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة على عاتق المستخدمين والناشرين على حد سواء، مما يتطلب ضرورة إرساء ثقافة الوعي النقدي وفلترة المواد المتداولة قبل الانجراف وراء تكرار مشاركتها.ولم يعد مفهوم الرواج مجرد أرقام وإحصائيات عابرة على شاشات الهواتف المحمولة، بل تحول إلى مرآة حقيقية ومؤشر دقيق يعكس نبض الشارع واهتمامات المجتمع وتوجهات الرأي العام في كل لحظة، مما يجعله القوة الناعمة الأكثر تأثيراً في صياغة تفاصيل الحياة اليومية ورسم ملامح المستقبل الرقمي.
