بقلم: د/ أحمد حسني سني. مدرس الصحة النفسية المساعد بجامعة الأزهر. في أسبوع الأصم العربي، نسلط الضوء على هذا العالم الصامت، حيث تعيش فئة كبيرة من مجتمعنا، أشخاص مفعمين بالطاقة والحيوية، تمتلك من الإرادة ما يهد الجبال، لكن وبدلًا من استثمار طاقات هؤلاء، لا نزال نحبسهم خلف قضبان التهميش وعدم الفهم، وغالباً ما يضيع طموحهم في زحام التجاهل.حسب التقرير العالمي للسمع الصادر عن منظمة الصحة العالمية WHO فإن أكثر من 430 مليون شخص يعانوا من فقدان سمعي معتدل فأعلى، أي ما يمثل 5,5% من نسبة سكان العالم، منهم 12.6 مليون شخص يعانون من الصمم الكامل، يعيش معظمهم في البلدان متوسطة ومنخفضة الدخل بنسبة 80%. كما أوضح التقرير أنه من المتوقع أن يصل عددهم أكثر من 900 مليون شخص بحلول عام 2050م، وهو ما يزيد من خطورة الوضع القائم.بينما قُدِّرت نسبتهم في مصر من الدرجة البسيطة إلى المطلقة بحوالي 3.58% من جملة السكان، وذلك حسب آخر مسح شامل قام به الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2017.تبدأ مأساة هؤلاء منذ ولادتهم، نتيجة الغياب المؤسسي لأدوات التدخل المبكر وبرامج الإرشاد الأسري، مما يحرم الطفل الأصم من التأسيس اللغوي السليم ويضعه في حالة اغتراب داخل مجتمع لا يفهم ثقافته ولا يجيد لغته. وتتفاقم هذه الأزمة حين يدخل الأصم المدرسة ليصطدم بمناهج تعليمية لا تراعي خصوصيته، وهو ما يلقي بظلاله على مستقبله المهني؛ فبالرغم من القوانين التي تفرض نسبة لتوظيف ذوي الإعاقة، يظل الواقع أسيراً لظاهرة “الوظائف المهمشة”، دون إسناد مهام حقيقية تستخرج طاقاتهم الكامنة في المجالات التي لا تعتمد على حاسة السمع.فنحن أمام نماذج من الصم غيرت العالم والواقع المحيط بفضل ابتكاراتها واستخراج الطاقات الكامنة بداخلها؛ فهذا توماس إديسون مخترع المصباح الكهربائي الذي أضاء العالم صاحب الألف اختراع، كان إديسون يعاني من صممًا تامًا في إحدى أذنيه، وبنسبة تقارب 80% في الأذن الأخرى، واعتبر إديسون صممه ميزة؛ حيث ساعده على الانعزال عن الضوضاء والتركيز بشكل كامل على تجاربه واختراعاته.أما فينت سيرف عالم الحاسوب الأمريكي الذي ُلقب بأبو الإنترنت، يُعد أحد الرواد الذين وضعوا حجر الأساس للعالم الرقمي، كان يعاني من فقدان سمعي من الدرجة المتوسطة منذ ولادته.ومن النماذج العربية الملهمة، المصور والمصمم الغرافيكي فلسطيني الجنسية أنس اللدعة، الذي تخرج من مدرسة الأمل للصم، كان شغوفًا منذ صغره بالرسم والتصوير، وهو الآن مصور ومصمم غرافيك في مركز الإنتاج والتدريب الإعلامي في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية.أصبح النظر إلى هذه الفئة ضرورة ملحة لا يمكن اغفالها أو تجاهلها، في جميع نواحيهم التعليمية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية والدينية، بما يتسق مع رؤية مصر 2030 والتي تهتم بالفرد كركيزة أساسية للنهوض بالدولة.إن استثمار طاقات الصم ليس صدقة أو عملاً خيريًا، بل هو واجب وطني واستحقاق إنساني لتحويل هذه الطاقات المهدورة إلى قوة اجتماعية واقتصادية فاعلة تساهم في بناء مجتمعها.
