بقلم: العقيد / أيمن محمد سيد . يشهد جنوب لبنان في أبريل 2026 تصعيداً ميدانياً غير مسبوق، يتجاوز في أبعاده مجرد المواجهات العسكرية التقليدية. فرغم الهدنة الهشة المرتبطة بالتوترات الإقليمية، تواصل الآلة العسكرية استهداف العمق اللبناني بغارات مكثفة أدت إلى تدمير معظم جسور نهر الليطاني، ما تسبب في عزل الجنوب تماماً عن باقي الأراضي اللبنانية.هذا المشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تهدف هذه العمليات إلى حماية الحدود فقط، أم أنها تنفيذ لمخططات تاريخية تستهدف “حرب المياه” والتوسع الجغرافي؟الأسباب المعلنة: الذريعة الأمنية والمنطقة العازلةتتمسك القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بضرورة جعل نهر الليطاني هو “الخط الأمني الجديد”. وتتلخص الأهداف المعلنة لهذا التصعيد في النقاط التالية:تفكيك البنية التحتية: تدمير الأنفاق، مخازن الصواريخ، ومنصات الإطلاق لتعطيل القدرات الدفاعية في المنطقة.إنشاء منطقة عازلة (Buffer Zone): فرض واقع ميداني يمتد حتى 30 كيلومتراً شمال الحدود (وصولاً لليطاني) لحماية مستوطنات الشمال.قطع خطوط الإمداد: تدمير الجسور الاستراتيجية (التي وصل عدد المستهدف منها إلى 9 جسور) لمنع وصول التعزيزات العسكرية.الأسباب الحقيقية: الهيدرو-سياسة والأطماع المائيةخلف الستار الأمني، يبرز “نهر الليطاني” ككنز استراتيجي؛ إذ يمتد النهر بطول 170 كم، وبتدفق سنوي يصل إلى 900 مليون متر مكعب، مما يجعله شريان الحياة للزراعة والكهرباء في لبنان. وفي ظل أزمة المياه العالمية، ترى الدراسات الجيوسياسية أن السيطرة على الليطاني تمثل هدفاً قديماً يضمن موارد مائية هائلة وتوسعاً جغرافياً يضم حوالي 10% من مساحة لبنان.ثلاث خطط تاريخية كشفت “فلسفة التوسع”لم تكن الأطماع في الليطاني وليدة اللحظة، بل صاغها مهندسون وخبراء عبر القرن الماضي في ثلاث خطط رئيسية:خطة لويدرميلك (1944): اقترح المهندس الأمريكي والتر لويدرميلك تأسيس “سلطة وادي الأردن”، بهدف تحويل مياه الليطاني لري صحراء النقب وتوليد الطاقة.خطة هيز (1948): جاءت كترجمة هندسية دقيقة، ركزت على تحويل نصف مياه النهر تقريباً إلى “الناقل الوطني للمياه”.خطة كوتون (1954): تعتبر الأكثر جرأة، حيث اقترحت تخصيص 400 مليون متر مكعب سنوياً من مياه الليطاني عبر أنفاق وقنوات تصل إلى العمق الإسرائيلي.الواقع الحالي 2026: استراتيجية الأرض المحروقةيرى الخبراء العسكريون أن تدمير الجسور الرئيسية على الليطاني في عام 2026 ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو تمهيد لفرض واقع جغرافي جديد يمنع اللبنانيين من استثمار مياهه. إن إخلاء السكان وتدمير القرى يهدف إلى تحويل المنطقة إلى حزام أمني يخدم الأطماع المائية تحت ستار “الدفاع عن النفس”.التداعيات الإنسانية والسياسيةكارثة إنسانية: نزوح مئات الآلاف، نقص حاد في الإمدادات، وتدمير شامل للبنية التحتية والبيئية.تعقد الحل السياسي: يرفض الجانب اللبناني أي تفاوض لا يضمن الانسحاب الكامل إلى ما وراء الحدود الدولية، معتبراً أن المساس بالليطاني خط أحمر سيادي.الخاتمةيبقى جنوب لبنان ونهر الليطاني محور الصراع بين تطلعات السيادة اللبنانية والأطماع التاريخية التوسعية. إن ما يحدث اليوم هو فصل جديد من “حرب المياه” التي بدأت ملامحها قبل عقود، وما زالت تهدد استقرار المنطقة بأكملها.

