جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

فنون العمارة الإسلامية«عندما نطق الحجر»​

بقلم د حنان مكاوى. يبقى ما تراه عيناك في ما تركه سلاطين وأمراء المماليك في شوارع، وأزقة، ودروب، وحارات القاهرة المملوكية، هو أجمل وأروع ما توصل إليه الفنان المسلم عبر كل العصور وفوق كل مكان. يتجسد هذا الإبداع الخالد بين قباب شاهقة، ومآذن سامقة، وأسبلة، ومدارس، وخانقاوات، وبيوت، وبيمارستانات، وقلاع، وخانات، ووكالات أثرية نابضة بالتاريخ.​أمام هذه العظمة، يتوقف القلم عن وحيه، ويغيب العقل عن وعيه، وينتفض القلب يرفرف ويدعو بالغفران لأناس أبدعوا في صناعة تاريخ حيّ، باقٍ ما بقي الزمان.​فلم يكتفِ هؤلاء العظماء بأدوارهم التاريخية البطولية وقضائهم الحاسم على التتار والصليبيين فحسب، بل استكملوا رسالتهم الحضارية بعمارة فريدة نطق الحجر فيها عزة وجلالاً، بل أصبح من شدة دقة صنعه وتسابيحه يبدو كأنه من الموحدين.​فإن شئت فاسمع موسيقى أحجار قلاوون، أو قصائد عمائر الناصر، وأنصت جيداً عندما تحدثك بدائع قايتباي، وبرسباي، وبرقوق، والغوري، وبيبرس، والمؤيد شيخ، والسلطان حسن، وشيخو، وصرغتمش. فحقاً إن للدور روحاً ترفرف حولنا، تسمعنا ونسمعها، ونحن على ذلك من الشاهدين.​(المدخل التذكاري: جسر العبور إلى رحاب الله)​لكي تنتقل من أرض البشر واضعاً قدميك في بيت من بيوت الله، لم يكن ذلك بالأمر الهين أو اليسير عند المماليك. لقد ورث سلاطين المماليك وأمراؤهم ممن سبقوهم من الفاطميين والأيوبيين فنون العمارة الإسلامية، فهذبوها، وطوروها، وجعلوها آية بالغة الجمال للعالمين. وقد تبلورت هذه العظمة وجُسدت بشكل جلي في واجهات المباني الدينية والمدنية، وكان من أبرز العناصر المعمارية في تلك الواجهات ما يُعرف بـ “المدخل التذكاري”.​بعد صعودك على بسطة السلم مستنداً على درابزينه الذي يزينه البابات، وقبل مرورك من فوق عتبة الباب ووصولك إلى الحجر والدركاة، قف هنيهة وتأمل؛ ستجد مكسلتين يميناً ويساراً، أعلاهما شريط كتابي بديع يحمل أدعية، وآيات قرآنية، والنص التأسيسي للمبنى، وربما ألقاباً للأمير أو السلطان، ويطلق على هذا الجزء “عضادة الباب”.​انظر إلى أعلى، وغُض طرفك قليلاً عن العقد المدائني ومقرنصاته الفاخرة، وتمهّل؛ فقبل وصولك إلى الجمال المطلق، هناك تفاصيل تأسر اللباب. فوق مصراعي الباب المصفح أو المكفت بالنحاس، والذي يزينه “الطبق النجمي” البديع، تتجلى أمور لعل أقلها ما يمتع البصر ويحيي الفؤاد.​تجد فتحة باب يعلوها عتب مستقيم محدد بإطار مستطيل، يعلوه عقد عاتق يتخلله نفيس، يعلوه صنج معشقة بدقة متناهية، وربما احتضنه رنك سلاطيني أو خرطوش ملكي. ويعلو ذلك كله شباك صغير مستطيل عليه مصبعات حديدية، وُضع بعناية لكي يكون نافذة لإنارة الدركاة الواقعة خلف الباب مباشرة.​أطلق نظرك الآن إلى الأعلى؛ فأنت أمام مقرنصات ودلايات تتدلى كعناقيد النور من عقد مدائني محلي، عجزت عيون الأنام عن وصفه أو الإتيان بمثله، وأحيطوا كلهم جميعاً بجفت لاعب ذو ميمة يضفي حركة بصرية ساحرة على الحجر الأصم.​أما الآن، فادخل إلى بيت الله آمناً مطمئناً، فأنت في أمان ورعاية الخالق، ولكن لا تنسَ وأنت تعبر البوابة أن تدعو للسلطان الباني، فهو لم ينسَ أن يكتب على الباب بمداد من فخر وعزة:عز لمولانا السلطان عز نصره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top