جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

​قلم السلام حمدي قنديل

لم يعد الصمت مقبولاً في زمن تتسارع فيه التحديات، ولم يعد الترف الفكري وبحث المسائل الفقهية المكررة سنوياً يسمن أو يغني من جوع، بينما يئن المجتمع تحت وطأة الأمراض الفتاكة، ويغرق في مستنقع الغش والفساد الذي طال البر والبحر، وتسلل خفية إلى لقمة العيش وقطرة الماء ونسمة الهواء التي يستنشقها الإنسان صباح مساء.​إنها صيحة تحذير دافعها الغيرة على هذا الوطن، نطلقها اليوم ونوجهها مباشرة وبأشد العبارات إلى القلاع الدينية والثقافية الكبرى، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف والعلماء والوعاظ، وإلى جانبهم كافة الجهات الرقابية والنقابات المنوط بها حماية هذا الشعب، لنسأل الجميع بصوت واحد أين أنتم بحق مما يجري في الأسواق والمزارع والمصانع من تجاوزات تهدد الأمن القومي الغذائي.​الفساد في البر تدمير الإنسان وتغيير فطرة الله​يقول الله تعالى في كتابه العزيز ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون، وإن كنا نبحث عن تفسير واقعي ملموس لهذه الآية الشريفة في واقعنا المعاصر، فهو ما نراه رأي العين من تلوث بيئي حاد، وأغذية ملوثة بالمواد المسرطنة والمبيدات المحرمة دولياً، وتغيير متعمد لما أراد الله ورسوله في خلق الكون وطهارة القوت ونقاء الطبيعة.​لقد أصبح المواطن عليلاً والمجتمع مريضاً، والمستشفيات تكاد تضيق بمرضى الأورام والفشل الكلوي وتليف الكبد، وكل هذه المآسي تحدث بسبب جشع تاجر أعمى المال بصيرته، أو ذمة فلاح انعدم ضميره فاستعجل الرزق وحصد الأرباح بوضع السموم، أو صاحب مصنع نزع الله الحياء من قلبه فخلط الغذاء بمواد كيميائية قاتلة، أليس هذا هو الفساد الإداري والخلقي والبيئي الأكبر الذي يهلك الحرث والنسل ويدمر مستقبل الأجيال القادمة.​أين وعاظ الأمة اتركوا القشور واصنعوا المسلم الصادق​إن مهمة الدعاة والوعاظ اليوم ليست الانعزال في صوامع الفتاوى المعاد تدويرها والتي شبعت بحثاً وتفنيداً، بل إن الواجب الشرعي والوطني يفرض عليهم النزول إلى واقع الناس، والاشتباك مع قضاياهم الحياتية اليومية، لتبني المسلم الأمين والمسلم الصادق في عمله، وصناعته، وزراعته، ومطعمه، لأن الدين المعاملة قبل أي شيء آخر.​يا علماء الأمة ووعاظها الأجلاء، اتركوا الخلافات الهامشية والمسائل الفرعية وقوموا بدوركم الحقيقي في المجتمع، وركزوا على الترغيب في الكسب الحلال الصافي حتى وإن كان قليلاً في أعين الناس، والترهيب من الحرام والورم الخبيث حتى وإن كان كثيراً ومتدفقاً، وذكروا الأمة بقاعدة النبوة الخالدة التي تؤكد أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وهل سلم المسلمون من يد من يطعمهم المسرطنات والسموم ويسقيهم المرض.​ذكروهم دائماً بقول المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لسيدنا سعد بن أبي وقاص أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، فكيف يستجيب الله جل وعلا لدعاء مجتمع نبتت أجساد أطفاله من سحت وحرام، وكيف نرجو بركة في وطن والدنيا دار فناء والكل راجع إلى ربه ليقف بين يديه حافياً عارياً ويسأل عن النقير والقطمير وعن كل درهم من أين اكتسبه وفيما أنفقه.​أين النقابات والأجهزة الرقابية اتقوا الله في العباد​إن الخطاب الديني التوعوي لا يعمل في معزل عن سيف القانون وحزم الرقابة الصارمة، وهنا نتوجه بالسؤال الصادم والضروري أين دور النقابات المهنية والأجهزة الرقابية والتفتيشية من هذه الفوضى العارمة، وكيف تنساب هذه السموم والمواد المغشوشة إلى الأسواق والمنافذ التجارية دون رادع أو رقيب يمنع وصولها إلى بيوت المواطنين البسطاء.​إن التراخي في ضبط سلامة الغذاء والدواء، والتهاون في مراقبة قطاعي الصناعة والزراعة، هو تواطؤ غير مباشر في قتل الأنفس التي حرم الله إلا بالحق، لذلك نادى الجميع بأن اتقوا الله في هذا الشعب الذي لم يعد يتحمل فاتورة المرض والغش والابتزاز، وبات من الضروري تشديد العقوبات وتغليظها على كل فاسد يتلاعب بأقوات الناس وصحتهم.​أين مصر اليوم من المنظور الإسلامي والحضاري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي يفرض النقاء والجودة والأمان، إن حماية صحة المواطن هي أساس التنمية الشاملة، وبدون غذاء آمن وضمير مستيقظ لا يمكن بناء مجتمع قوي قادر على الإنتاج والنهوض، فالرقابة ليست مجرد وظيفة بل هي أمانة وطنية ودينية تسأل عنها الضمائر أمام الله والتاريخ قبل جهات التحقيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top