جريدة بلدنا والأمة العربية egypt-arabnews.com

التعليم في مصر: بين طغيان اللغات الأجنبية والهوية الوطنية

​بقلم: محمود صلاح الدين.​ في ظل التطور المتسارع الذي يشهده قطاع التعليم في مصر، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل هوية أبنائنا اللغوية والتعليمية. لم تعد المدارس مجرد مؤسسات تعليمية، بل تحولت إلى ساحات لتنافس “العلامات التجارية” التعليمية الأجنبية، وسط غياب رؤية واضحة للجدوى الحقيقية لهذا التوسع.​انتشار المدارس الخاصة: هل هو تطوير أم ترف؟​تنتشر اليوم على الطرق السريعة والميادين لافتات براقة لمدارس تحمل مسميات بريطانية، كندية، أمريكية، فرنسية، وحتى تركية. يطرح هذا المشهد تساؤلات مشروعة: ما هي الأهداف الاستراتيجية وراء هذا التنوع؟ وهل تلبي هذه المناهج احتياجات سوق العمل المصري الفعلي، أم أنها مجرد “حجة” يستخدمها أولياء الأمور للتباهي الاجتماعي؟​في الماضي، كان التعليم الحكومي العام هو الملاذ الآمن للطبقة المتوسطة، بل وكان مصدراً لتصدير الكفاءات المصرية المدربة إلى الدول العربية. أما اليوم، فقد أدى انتشار المدارس الخاصة، التي تتبنى لغات أجنبية في تدريس كافة المواد، إلى تراجع ملموس في مستوى الطلاب ليس فقط في اللغة العربية، بل في استيعابهم للمواد العلمية ذاتها.​اللغة العربية: ضحية الوجاهة الاجتماعية​لقد أصبح إتقان اللغة الأجنبية لدى كثير من الأسر مقياساً للرقي والوجاهة الاجتماعية، حتى وصل الأمر إلى التفاخر بعدم قدرة الأبناء على التحدث بلغتهم الأم. إن استبدال المفردات العربية ببدائل أجنبية في سياقات الحياة اليومية، رغم وجود مرادفات عربية قوية وجميلة، لا يعد تحضراً، بل هو “سخف لغوي” يهدد الانتماء الثقافي للجيل الناشئ.​التجربة الألمانية: درس في احترام اللغة​لنتأمل التجربة الألمانية؛ حيث لا يبدأ تدريس اللغة الإنجليزية إلا بعد سن الثالثة عشرة. تحرص ألمانيا على تعريب الأفلام الأجنبية بدبلجتها لتضمن عدم سماع أطفالها لغة غريبة قبل أن يترسخ لديهم بنيان لغتهم الوطنية. نحن لا نطالب بوقف تعلم اللغات، فالعلم لا حدود له، ولكننا نطالب بوضع حد لـ “طغيان اللغات الأجنبية” في المراحل التعليمية الأولى.​نحو استراتيجية تعليمية متوازنة​إننا بحاجة ماسة إلى وقفة مع النفس. إن الهدف من التعليم يجب أن يكون بناء جيل قادر على التفكير والإبداع، لا جيل يتقن لغة أجنبية على حساب لغته الأم. إذا استمر هذا التهاون، فقد نجد أنفسنا يوماً ما أمام واقع يبتعد فيه أبناؤنا عن هوية “جمهورية مصر العربية”، لنستيقظ على واقع “جمهورية مصر التجريبية للغات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top