بقلم الاستاذة / هدي مصطفي (رئيس المبادرة الوطنية رائدات مصر) تعيش الفتاة والمرأة المصرية في مساحة معقّدة. تتقاطع فيها العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية مع متطلبات الواقع المتغير.
تتحول هذه المساحة في كثير من الأحيان إلى دائرة من الضغوط المتراكمة. تؤثر هذه الضغوط بشكل مباشر على حياتها النفسية والاجتماعية. كما تؤثر على قدرتها على بناء أسرة مستقرة وسعيدة. فمنذ سنواتها الأولى، تتلقى الفتاة رسائل غير مباشرة تُحدِّد لها ما يجب أن تكون عليه، لا بناءً على قدراتها أو ميولها، بل وفق نمط اجتماعي موروث جرى التعامل معه باعتباره “الصحيح الوحيد”. ويزداد هذا الضغط حين تُقدَّم لها معلومات مغلوطة، سواء كانت حياتية أو دينية. تُختزل في هذه المعلومات المفاهيم الدينية السمحة في صورة تشدد أو خوف.
كما يُختزل دور المرأة في أطر ضيقة لا تعكس جوهر الدين ولا مقاصده. لا يمكن إغفال دور بعض أنماط التربية الأسرية. هذه الأنماط تُصرّ على إعادة إنتاج نفس المسارات التي نشأ عليها الآباء. هم يفعلون ذلك دون مراعاة لاختلاف الزمان أو تطور المجتمع. فتُواجَه الفتاة أحيانًا برفض أي اختيار مختلف، ليس لأنه خاطئ، بل لأنه “غير معتاد”، لتصبح محاصرة بين طموح مشروع وخوف من الخروج عن المألوف.
وفي المقابل يشهد المجتمع المصري اليوم توافر فرص حقيقية ومتنوعة لتمكين الفتيات، سواء على المستوى التعليمي أو المهني أو المجتمعي وهي فرص لا تتعارض مع القيم الدينية ولا مع العادات الشرقية الأصيلة، بل تدعمها حين تُفهم في إطارها الصحيح. فالدين لم يكن يومًا عائقًا أمام الوعي أو التطور، بل كان داعمًا لبناء الإنسان والأسرة على أسس من الرحمة والتوازن والمسؤولية. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في العادات ذاتها وإنما في الجمود في تفسيرها وفي الخلط بين ما هو ثابت دينيًا وما هو متغير اجتماعيًا. فحين تُمنَح الفتاة مساحة للفهم الصحيح، والحوار الواعي، والاختيار المسؤول، تصبح أكثر قدرة على تكوين أسرة متماسكة، قائمة على الاحترام المتبادل، لا على القهر أو الامتثال القسري. وتظل الحاجة ملحّة إلى خطاب مجتمعي متوازن، يُعيد تصحيح المفاهيم، ويدعم الأسرة في دورها التربوي، ويؤكد أن تمكين الفتاة لا يعني التخلي عن القيم، بل هو الطريق الأصدق لحمايتها وبناء مستقبل أسري وإنساني أكثر استقرارًا.
