
بقلم د/إيمان السيد
من تجهيز الحقيبة إلى تجهيز المشاعر.. كيف تمنح الأسرة أبناءها بداية دراسية أكثر هدوءًا؟مع اقتراب العام الدراسي، تبدأ البيوت في الاستعداد: زيّ جديد، حقيبة، أدوات مدرسية، كتب، جدول دراسي… لكن هناك حقيبة أخرى لا يراها أحد، يحملها الطفل معه إلى المدرسة كل صباح؛ حقيبة المشاعر.فقد يدخل طفل إلى عامه الدراسي الجديد وهو متحمس لاكتشاف أشياء جديدة، بينما يدخل طفل آخر وهو يحمل خوفًا من الفشل، أو قلقًا من المعلم، أو توترًا من زملائه، أو شعورًا بأنه لن يستطيع مجاراة الآخرين.ومن هنا، فإن الاستعداد للمدرسة لا ينبغي أن يبدأ من شراء الأدوات فقط، بل من سؤال أكثر أهمية:كيف يشعر طفلنا تجاه العودة؟عندما يتحول صباح المدرسة إلى معركة«اصحى!»«البس بسرعة!»«خلص فطارك!»«هنتأخر!»«كل يوم نفس القصة!»قد تتحول دقائق الصباح إلى سلسلة من الأوامر والصراخ، ومع تكرارها يصبح الطفل أكثر مقاومة، وتصبح الأم أكثر توترًا، وينتهي الأمر غالبًا بخروج الجميع من المنزل وهم يحملون مشاعر سلبية.لكن المشكلة هنا ليست دائمًا في «عناد الطفل».فالطفل الذي يرفض الاستيقاظ قد يكون نومه غير منتظم، والذي يتباطأ في ارتداء ملابسه قد يكون غير مستعد نفسيًا للانتقال من الإجازة إلى الالتزام، والذي يرفض المدرسة قد يكون لديه سبب لا يعرف كيف يعبر عنه.لذلك، قبل أن نسأل: «إزاي أخليه يسمع الكلام؟»ربما نحتاج أن نسأل: «إيه اللي بيخليه يقاوم؟»الطفل لا يحتاج إلى التخويف حتى يجتهدمع بداية الدراسة، قد نسمع عبارات مثل:«السنة دي مفيش هزار.»«عايزاك من الأوائل.»«لو درجاتك قلت هتشوف.»«ماينفعش تغلط.»قد تكون هذه الكلمات نابعة من خوف الأم على مستقبل ابنها، لكنها قد تجعل الطفل يربط التعلم بالخوف، والامتحان بالتهديد، والنجاح بالحصول على رضا الآخرين.الأفضل أن نضع أمامه هدفًا مختلفًا:أن يتقدم، لا أن يكون كاملًا.نسأله:«إيه الحاجة اللي نفسك تتحسن فيها السنة دي؟»«إيه المادة اللي محتاج فيها مساعدة؟»«إيه الحاجة الجديدة اللي نفسك تتعلمها؟»بهذا ننتقل من ثقافة الخوف من الخطأ إلى ثقافة التعلم من الخطأ.لا تسألي عن الدرجة فقطبعد يوم دراسي طويل، قد يكون السؤال المعتاد:«جبت كام؟»لكن الطفل يحتاج أحيانًا إلى أسئلة أعمق:«كان يومك عامل إزاي؟»«إيه أكتر حاجة فرحتك؟»«في حاجة ضايقتك؟»«إيه أصعب حاجة حصلت النهارده؟»«في حد محتاج تحكيلي عنه؟»هذه الأسئلة تمنح الطفل رسالة مهمة:«أنا مهتم بيومك أنت، مش بنتيجتك فقط.»ومع الوقت، يصبح الحوار بين الأم وطفلها عادة، وليس مجرد تحقيق بعد العودة من المدرسة.المقارنة قد تسرق فرحة النجاح«أختك كانت بتجيب درجات أحسن.»«ابن خالتك خلص المنهج قبلك.»«زميلك أشطر منك.»المقارنة قد تدفع الطفل أحيانًا إلى المحاولة، لكنها قد تزرع داخله شعورًا دائمًا بأنه أقل من الآخرين.الأكثر فائدة أن نقارن الطفل بنفسه.بدل:«ليه مش زي فلان؟»نقول:«إيه اللي بقيت بتعرف تعمله أحسن من السنة اللي فاتت؟»فالطفل الذي يتعلم أن يلاحظ تقدمه، يتعلم أيضًا أن النجاح رحلة وليس سباقًا مستمرًا مع الآخرين.«مش عايز أروح المدرسة» ليست جملة عابرة دائمًاقد تكون مجرد رغبة في الاستمرار في أجواء الإجازة، وقد تكون وراءها مشكلة حقيقية.لذلك علينا أن ننتبه إلى التغيرات المصاحبة: الخوف الشديد، البكاء المتكرر، اضطراب النوم، الشكاوى الجسدية المتكررة، الانعزال، التراجع المفاجئ في المستوى، أو الإصرار المستمر على عدم الذهاب.في هذه الحالة، لا يكفي أن نقول للطفل:«مفيش حاجة تخوف، إنت بتدلع.»بل نحتاج إلى الاستماع والتحقق.قد يكون السبب أكاديميًا، اجتماعيًا، نفسيًا أو متعلقًا بالتكيف مع البيئة الجديدة.والقاعدة المهمة هنا:لا نعالج السلوك قبل أن نفهم الرسالة التي يحملها.الروتين يصنع الأمانمن أكثر الأشياء التي تساعد الطفل في بداية الدراسة وجود روتين واضح.النوم والاستيقاظ في مواعيد مناسبة، تجهيز الحقيبة من الليل، تحديد وقت للشاشات، تخصيص وقت للراحة واللعب، وإشراك الطفل في تجهيز احتياجاته.والأهم أن نبدأ تدريجيًا، لا أن ننتظر الليلة الأخيرة ثم نقرر فجأة:«من بكرة هتصحى الساعة ستة!»كما أن إشراك الطفل في بعض المسؤوليات اليومية يجعله أكثر استقلالًا.دعيه يجهز جزءًا من حقيبته، يختار ملابسه المناسبة، ويراجع احتياجاته وفق عمره.هدفنا ليس أن نفعل كل شيء بدلًا منه، وإنما أن نساعده حتى يستطيع فعله بنفسه.وأنتِ أيضًا تحتاجين إلى بداية جديدةأحيانًا تكون الأم هي الأخرى تحت ضغط شديد: تريد طفلًا ملتزمًا، متفوقًا، منظمًا، هادئًا، ناجحًا… كل ذلك في وقت واحد.لكن التربية ليست مشروعًا للكمال.قد تتوتري، وقد يرتفع صوتك، وقد يمر صباح سيئ.المهم ألا يتحول الخطأ إلى أسلوب دائم.يمكن للأم أن تقول:«أنا اتعصبت النهارده، وكنت أتمنى أتعامل بهدوء أكتر. خلينا نحاول بكرة نعملها بطريقة أحسن.»هذه الجملة لا تقلل من مكانة الأم، بل تقدم للطفل درسًا حيًا في تحمل المسؤولية وإصلاح الخطأ.قبل الدرجات… الأماننعم، نريد لأبنائنا النجاح.نريدهم مجتهدين ومنظمين، ونريد أن نراهم يحققون أحلامهم.لكن الطفل الذي يشعر أنه محبوب فقط عندما ينجح، قد يكبر وهو يطارد الإنجاز حتى يشعر بقيمته.أما الطفل الذي يعرف أن أسرته ستسانده عندما ينجح، وستساعده عندما يتعثر، فسيتعلم شيئًا أكثر أهمية:أن الفشل في مهمة لا يعني الفشل كإنسان.لذلك، مع بداية هذا العام الدراسي، لنجعل رسالتنا لأبنائنا واضحة:«إحنا مش مستنيين منك تكون كامل… إحنا مستنيينك تحاول، تتعلم، وتكبر كل يوم خطوة. ولو قابلتك حاجة صعبة، هنساعدك.»فالمدرسة ليست مكانًا للحصول على الدرجات فقط.إنها مساحة يتعلم فيها الطفل كيف يتعامل مع النجاح والفشل، كيف يكوّن علاقاته، كيف يتحمل المسؤولية، كيف يكتشف نقاط قوته، وكيف يصبح أكثر استقلالًا.ولعل أجمل ما نتمناه مع بداية عام دراسي جديد، ألا يعود أطفالنا إلى المدرسة فقط وهم يحملون حقائبهم…بل يعودون وهم يحملون شعورًا بأن وراءهم بيتًا آمنًا، وأمًا تسمعهم، وأسرة تؤمن بهم حتى في الأيام التي لا يكونون فيها في أفضل حالاتهم.للأم في بداية العام الدراسي | 7 رسائل لا تنسيها1. لا تجعلي أول سؤال بعد المدرسة عن الدرجات فقط.2. لا تستخدمي المقارنة كوسيلة للتحفيز.3. ابدئي روتين النوم والاستيقاظ تدريجيًا.4. أعطي طفلك مسؤوليات تناسب عمره.5. خذي رفض المدرسة بجدية إذا كان متكررًا أو مصحوبًا بتغيرات واضحة.6. امدحي المحاولة والتقدم، وليس النتيجة فقط.7. ذكّري طفلك دائمًا: «درجتك مهمة… لكنك أهم.»أكاديمية توازن للدعم والإرشاد النفسي

