
بقلم م/ سعد محمد العقبي
لم تعد منطقة الشرق الأوسط تكتفي بالسير فوق حبل مشدود بل قفزت بالفعل إلى ساحة مواجهة متسارعة لا تفرق بين البر والبحر. فالشواهد الميدانية الأخيرة لا تشير فقط إلى جولة جديدة من تبادل الرسائل النارية بل تعكس تحولا هيكليا في قواعد اللعبة الإقليمية حيث اصبحت الملاحة البحرية وأمن الطاقة العالمي الحطب الأساسي لهذه المحرقة المتصاعدة.1- خنق الشرايين الملاحة البحرية تحت خط النارتتبلور في الأفق ملامح استراتيجية خنق مزدوجة تستهدف المملكة العربية السعودية والممرات الملاحية الأكثر أهمية في العالم. فبينما يشتعل البحر الأحمر جنوبا يزداد التوتر شدة في مضيق هرمز شرقا ليضع الملاحة الدولية أمام اختبار غير مسبوق للقدرة على الاستمرار.في الجنوب وبعد هدوء حذر امتد لأكثر من عام كامل استُغل في إعادة بناء القدرات وتطوير الصواريخ الباليستية والمسيّرات عادت جماعة الحوثي لتكسر صمتها الميداني عبر فرض حصار بحري يهدف لمنع السفن والموانئ المتجهة إلى السعودية عبر مضيق باب المندب. لم تكن هذه الخطوة مجرد مناورة سياسية بل قُرنت بإعلان التعبئة العامة وفتح كافة الخيارات العسكرية ردا على استمرار الحصار وقصف مطار صنعاء.تكلفة هذا الحصار الجنوبي تتجاوز الصراع المحلي إذ تُجبر خطوط الملاحة الدولية على تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح مما يعني ارتفاعا قياسيا في أسعار الشحن والتأمين وتأخيرا حادا في الإمدادات. هذا التحول يهدد بتقليص إمدادات النفط العالمية بنسب تصل إلى 10% مع وقوع خطوط الإمداد البديلة كخط “بترولاين” السعودي تحت ظلال هذا التهديد المباشر. 2- التصعيد الإيراني المباشر في هرمزوعلى الجانب الآخر من الخريطة لم تكتفِ طهران بإدارة المعركة عبر وكيلها في الجنوب بل دخلت بشكل مباشر على خط المواجهة في مضيق هرمز والخليج العربي. ومن خلال فرض ما أسمته بـ “هيئة مضيق الخليج الفارسي” تحاول إيران تنظيم المرور البحري وفرض سيادتها على الحركة الملاحية عبر إجبار السفن على المرور في مياهها الإقليمية وإغلاق الطرق البديلة كالممرات العمانية.ولم يتوقف هذا التضييق عند حدود اللوائح والإنذارات عبر اللاسلكي إذ ترجم ميدانيا باستهداف ناقلات نفط ومواد كيماوية بشكل مباشر كما حدث مع الناقلة الكويتية “كيفان” وناقلة أخرى ترفع علم مالطا حيث اندلعت النيران في غرف المحركات واضطر الطاقمان للإخلاء. هذا التصعيد المزدوج بين باب المندب وهرمز يضع الاقتصاد العالمي بين فكي كماشة حقيقية تُعيد تشكيل خارطة المخاطر لأسواق الطاقة. باب المندب جنوبا و البحر الأحمر والساحل الغربي ضغط مباشر على أسعار الشحن وأمن الطاقة مضيق هرمز شرقا والخليج العربي وشرايين النفط 3- التحول العسكري الأمريكي الضرب في العمقفي المقابل أدركت واشنطن أن معادلة الردع التقليدية القائمة على احتواء الأطراف لم تعد مجدية. ولذا تجاوزت واشنطن استراتيجية استهداف الدفاعات الساحلية أو مواقع الوكلاء في دول الجوار وانتقلت إلى مرحلة أكثر جراءة توجيه ضربات جوية مباشرة للعمق الإيراني في المناطق الشمالية الغربية والوسطى.استهدفت هذه الضربات البنية التحتية الصاروخية للحرس الثوري بما في ذلك- صوامع الصواريخ الباليستية المدفونة تحت الأرض.- مصانع الوقود الصلب.- مراكز تطوير وتجميع الطائرات المسيرة.جاء هذا التحول الاستراتيجي كرد مباشر على سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الأمريكي إثر هجمات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت قاعدة “الموفق السلط” الجوية في الأردن ومواقع أخرى في العراق. والرسالة الأمريكية هنا باتت صريحة لا توجد الجغرافيا ملاذا آمنا والعمق العسكري الإيراني أصبح هدفا مباشرا للردع. 4- الشرخ الداخلي اقتصاد متهالك أم مواجهة شاملة؟هذا التصعيد العسكري القاسي يضع الداخل الإيراني أمام صراع إرادات محتدم بين تيارين داخل مؤسسات القرار التيار البراجماتي يمثله سياسيون مدنيون (من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف) ويرى أن استمرار الحرب يخنق الاقتصاد المتهالك اصلا بالعقوبات ويحذر من أن الانهيار الخدمي والمحلي قد يتحول إلى اضطرابات شعبية تهدد الاستقرار الداخلي للنظام. قيادة الحرس الثوري يمسك التيار المتشدد بزمام القرار العسكري واضعا الهواجس الاقتصادية جانبا. يرى الحرس الثوري أن معركة فرض النفوذ وطرد القوات الأمريكية تتقدم على أي اعتبار آخر حتى لو كان الثمن توجيه كافة الموارد المالية نحو الآلة العسكرية وتعميق العزلة الشاملة. 5- الأفق المفتوح على الاستنزافمع تشابك الجبهات وتصاعد حدة الاشتباك يبدو أن المنطقة تتجه بخطى حثيثة نحو حرب استنزاف إقليمية ممتدة. فالممرات البحرية وضفاف الخليج ومنابع الطاقة أصبحت أدوات أساسية في إدارة الصراع السيادي. وفي ظل غياب المبادرات الدبلوماسية الحقيقية وإصرار كافة الأطراف على رفع سقف الرهان يظل السؤال القائم ليس ما إذا كان التصعيد يستمر بل متى وأين ستكون ضربة الاشتعال القادمة ومن سينتهي به المطاف لتحمل الفاتورة النهائية لهذا الحريق الممتد.

