
بقلم/ هناء فتحي تغيان
في هذا العالم المزدحم بالضجيج والركض المستمر، يعيش بيننا أشخاص يموتون بصمت كل يوم وهم يتحركون وسط الزحام، حيث يضحكون ويتحدثون وينجزون أعمالهم وواجباتهم اليومية بكل كفاءة، ثم يعودون في نهاية المطاف إلى عزلتهم الاختيارية محملين بأوجاع ثقيلة لا يراها أحد ولا يشعر بمرارتها المحيطون بهم.ولم يعد الألم النفسي مجرد حالة حزن عابرة يمكن تجاوزها بمرور الوقت، بل تحول إلى معركة ضارية يومية يخوضها الكثيرون في الخفاء الدامس، وهي معركة شرسة ضد الخوف والوحدة والخذلان المستمر، وتضاعفها ضغوط حياة عصرية باتت لا ترحم الضعفاء أو المنهكين.مواجهة التجاهل وجدران الأحكام الباردةإن الأقسى من الوجع النفسي ذاته هو تلك اللحظة التي يحاول فيها الإنسان البوح بما يؤرقه، فلا يجد من يفهم عمق معاناته، بل يصطدم بآراء تطالبه بالتماسك المصطنع، أو يسخر البعض من موطن ضعفه الإنساني، في حين يختصر آخرون كل ذلك المزيج المعقد من المعاناة في جملة باردة وفارغة المضمون تكتفي بالقول إن الأزمة ستمضي.وتطرح هذه المشاهد المتكررة تساؤلات عميقة حول كمية الأشخاص الذين كانوا يحتاجون فقط إلى أذن صاغية تستمع إليهم دون إطلاق أحكام مسبقة، وكم من الأرواح البريئة وصلت بالفعل إلى حافة الخطر والانهيار التام لمجرد أنها لم تجد قلباً رحيماً يربت عليها أو يداً مخلصة تمتد إليها في الوقت المناسب لإنقاذها.علامات الاستغاثة الخفية والانطفاء المفاجئولا يطرق الانهيار النفسي الأبواب بصوت عالٍ أو بضجة تلفت الانتباه دائماً، بل إنه يأتي في كثير من الأحيان على هيئة صمت طويل ومطبق، أو عزلة مفاجئة غير مبررة، أو انطفاء واضح في الملامح الحيوية، وأحياناً يتجسد في رغبة خفية وعميقة في الاختفاء التام عن الأنظار، وهي كلها إشارات صغيرة في مظهرها لكنها تمثل صرخات استغاثة أخيرة ونهائية.وأصبح المجتمع اليوم في حاجة ماسة ليس فقط إلى مجرد الحديث النظري عن أهمية الصحة النفسية، بل إلى الانتقال الفعلي نحو التعامل مع ألم الإنسان وعذابه الداخلي بذات الطريقة الطارئة التي يتم بها التعامل مع أي نزيف جسدي واضح، مما يتطلب سرعة فائقة ورحمة حقيقية وانتباهاً كاملاً للتفاصيل.حتمية الدعم قبل فوات الأوانإن الوعي المجتمعي بالصحة النفسية يمثل طوق النجاة الحقيقي لآلاف البشر الذين يرتدون أقنعة القوة بينما تتداعى جدرانهم الداخلية، وتستوجب هذه الحقيقة بناء جسور من التواصل الإنساني القائم على الاستيعاب والإنصات الواعي، بعيداً عن الاستخفاف بالشكوى أو التقليل من حجم التحديات النفسية التي يفرضها الواقع المعاصر.وتظل الرسالة الجوهرية التي يجب أن يدركها الجميع هي أن بعض الجروح الغائرة لا تُرى بالعين المجردة ولا تترك أثراً على الجسد، لكنها تمتلك قدرة فتاكة على قتل الروح ببطء وصمت، مما يجعل من تقديم الدعم النفسي والتعاطف الإنساني واجباً أخلاقياً لا يحتمل التأجيل أو المماطلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

