
بقلم/ احمد اشرف احمد . تشهد جمهورية مصر العربية طفرة تنموية شاملة تتطلب حلولاً ابتكارية قائمة على البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة، تماشياً مع توجهات الدولة نحو التحول الرقمي الشامل وتحقيق أهداف التنمية المستدامة وفقاً لرؤية مصر 2030. وفي هذا السياق، نجح طلاب المستوى الثامن بقسم نظم المعلومات الجغرافية بكلية الآداب في جامعة عين شمس، خلال العام الجامعي الحالي، في تقديم مشروع تخرج استثنائي يمثل نموذجاً تطبيقياً فريداً لتخطيط وإدارة شبكات الطاقة الذكية في المدن الجديدة.وجاء هذا العمل الأكاديمي المتميز تحت إشراف ورعاية الأستاذ الدكتور معوض بدوي رئيس قسم الجغرافيا بجامعة عين شمس، وبإشراف علمي وتوجيه دقيق من لجنة ضمت الأستاذ الدكتور محمود خضر، والأستاذة الدكتورة شيماء سمير، والأستاذة الدكتورة مروه مجدي، حيث ركز المشروع على استخدام نظم المعلومات الجغرافية، ونمذجة معلومات البناء، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والبرمجة، في تصميم محطات المحولات ونمذجة شبكات الطاقة المتكاملة الكهربائية والشمسية بمنطقة إسكان الشباب والمنطقة التاسعة بمدينة الشروق.تقنيات الجيل الرابع في خدمة التنمية المستدامةانطلق المشروع من دراسة ميدانية متكاملة رصدت احتياجات سكان منطقة الدراسة في مدينة الشروق، حيث أظهرت النتائج أن قطاعاً من السكان يعاني من بعض الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي، مما يؤثر على جودة الحياة اليومية ويتسبب في أعباء مادية للمواطنين نتيجة تضرر الأجهزة الكهربائية. ومن هنا، جاءت الأهمية الاجتماعية والاقتصادية للمشروع لرفع كفاءة الشبكة وخفض تكاليف التشغيل والصيانة للمنظومة بالكامل.أما من الناحية التقنية والبيئية، فإن المشروع يقدم رؤية علمية لتقليل الانبعاثات الكربونية عبر تعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة. وتتجلى القيمة الأكاديمية للمشروع في توفير نموذج بحثي وتطبيقي متكامل يمكن تعميمه على مختلف مناطق الإسكان الاجتماعي والمدن الجديدة في كافة أنحاء الجمهورية.وقد استهدف الطلاب رصد وتوثيق الشبكة الكهربائية الحالية وتحليل مكوناتها جغرافياً لتحديد المشكلات الهندسية وأسباب العجز، ومن ثم إعداد وتقييم أربعة سيناريوهات مقترحة لدمج الطاقة الشمسية مع الشبكة الحالية، مستعينين بتحليلات الملاءمة المكانية لاختيار المواقع المثلى لمحطات التحويل والطاقة المتجددة.التوأم الرقمي ومحطات الطاقة الشمسية بمدينة الشروقأسفر المشروع عن مخرجات هندسية وتقنية فائقة الدقة، جاء في مقدمتها تصميم محطة محولات كهربائية متكاملة لخدمة منطقة الدراسة وفق المعايير الهندسية المعتمدة، بالتوازي مع إنشاء توأم رقمي للمحطة يوفر نسخة رقمية مطابقة تماماً للمنشأة الفعلية، مما يتيح محاكاة التشغيل والأحمال والتنبؤ بالأعطال قبل التنفيذ الفعلي، وهو ما يدعم اتخاذ القرار ويقلل المخاطر الهندسية.كما نجح الفريق البحثي في تطوير سيناريو لإنشاء محطة طاقة شمسية مركزية تضمنت بديلين، ركز الأول منهما على تغطية كامل احتياجات المنطقة من الطاقة، في حين استهدف الثاني سد العجز ودعم الشبكة التقليدية القائمة. ولم تتوقف الحلول عند هذا الحد، بل شملت المنظومة تصميماً مبتكراً لتركيب ألواح شمسية فوق أسطح المباني السكنية المؤهلة بناءً على دراسات دقيقة لاتجاهات الأسطح ومعدلات الإشعاع الشمسي، مما يسهم في تحقيق اللامركزية في إنتاج الطاقة وتحقيق وفورات اقتصادية مباشرة للمواطنين.إدارة ذكية عبر إنترنت الأشياء والبرمجةشهد الشق التكنولوجي للمشروع ابتكار نموذج ذكي يعتمد على أجهزة الاستشعار وتقنيات إنترنت الأشياء لمراقبة أداء الشبكتين الكهربائية والشمسية في الزمن الحقيقي، مما يتيح رصد الأعطال فور حدوثها وتحليل الأحمال بناءً على بيانات لحظية دقيقة. وتم دمج هذه الأدوات ضمن بيئة عمل موحدة تتوظف فيها لغات البرمجة والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأحمال المستقبلية وتحليل الكفاءة الاقتصادية، مما يوفر منصة متطورة لدعم القرار واختيار السيناريو الأمثل فنياً وبيئياً.واعتمد الطلاب في تنفيذ هذا العمل الضخم على حزمة برمجية متطورة شملت برامج نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد مثل آرك جي آي إس برو وآرك جي آي إس أونلاين وجوجل إيرث إنجين، بجانب أدوات النمذجة ثلاثية الأبعاد ونمذجة معلومات البناء مثل ريفيت وسكيتش آب وبلندر وسيتي إنجين وأوتوكاد، فضلاً عن برامج تحليل الطاقة الشمسية والبرمجة والتطوير مثل بي في سيست ويونيتي وفايربيس، مع توثيق وإخراج البيانات عبر أدوات مايكروسوفت وكانفا.رؤية مستقبلية لمدن ذكية ومستدامةيمثل هذا المشروع نموذجاً يحتذى به في ربط المخرجات الأكاديمية والبحثية بالمشكلات الواقعية للمجتمع، وتقديم حلول علمية قابلة للتطبيق الفوري. إن الدمج الاحترافي بين تقنيات نظم المعلومات الجغرافية ونمذجة البناء والذكاء الاصطناعي لا يضع حلاً مستداماً لشبكات الطاقة في مدينة الشروق فحسب، بل يفتح آفاقاً جديدة أمام التخطيط العمراني في مصر، مؤكداً أن سواعد الشباب والخبرات العلمية المرموقة تحت مظلة الإدارة الأكاديمية الواعية هي الركيزة الأساسية لبناء مدن المستقبل الذكية والخضراء.

