بقلم/ محمد جابرفي الوقت الذي ننتظر فيه من المحافل الثقافية أن تكون منارات للوعي وصناعة الإدراك، تطل علينا نماذج تعكس حالة من “تزيين الزيف” وتجميل الوهم. ما يشهده “الممر 105” ليس مجرد تجمع عابر، بل هو تجسيد لحال الكثير من الندوات التي تخلت عن المعايير الفكرية الرصينة، لتتحول إلى منصات يديرها مدعون يتقنون فن “التمثيل الثقافي”.سلسلة “كأننا”: الهروب من الوعي إلى الوهمإن أخطر ما نواجهه اليوم هو استراتيجية “الكأن”؛ فنحن نبدو وكأننا مثقفون، وكأننا نقرأ، ونحاور، ونفكر، بينما الحقيقة أننا ننزلق بعيداً عن جوهر الوعي. هذه التجمعات -التي يعلم الجميع الغرض منها- باتت مجرد “ماريونت” يؤدي أدواراً مسرحية عبثية، توهم المشاركين بامتلاك المعرفة، بينما هم في الحقيقة يغرقون في فراغ واضمحلال فكري، حتى إن البعض منهم قد يعجز عن كتابة اسمه بشكل صحيح!علم لا ينفع.. وجهل لا يضرليس كل علم نافعاً بالضرورة، فكما أن للمعرفة نوراً يضيء الصراط، فإن لها وهجاً قد يحرق إذا سُخر للباطل. لقد شهد التاريخ علماء في الجدل والبلاغة أتقنوا فن القول، لكنهم استخدموه لتبرير الظلم وتزييف الحقائق. هذا النوع من “العلم” لا يبني مجتمعاً ولا يرتقي بذوق، بل هو أداة لتجميل القبح وإقناع الناس بالفساد.وفي المقابل، قد يكون الجهل أحياناً غطاءً يحمي من عبث لا طائل منه، ومن هنا تأتي الحكمة: “علم لا ينفع.. والجهل به لا يضر”.بين فلكلور الثقافة ومعيار النفعما نراه الآن من كم هائل من الصالونات والمنصات الثقافية ليس إلا “فلكلوراً” يستهلك الطاقة الذهنية دون إحداث تغيير حقيقي في السلوك أو الوعي. إن معيار الثقافة الحقيقي هو “الكيف” لا “الكم”؛ فكثرة المعلومات ليست دليلاً على التحضر، بل القدرة على إحداث فرق في الإنسان والمجتمع هي المقياس.العلم النافع هو الذي يوسع الأفق، ويعمق الحس بالمسؤولية، ويمنح الإنسان القدرة على التمييز أثناء السير نحو التغيير. أما “العلم الذي لا ينفع” فهو الذي يشحن العقول بمعلومات قد تكون صحيحة في ظاهرها، لكنها تفرغ الضمير من محتواه وتفصل الإنسان عن واقعه الحقيقي.خاتمةإننا بحاجة إلى وقفة جادة أمام هذا “الممر” وأمثاله، لنفرق بين المثقف الحقيقي الذي يحمل هموم وطنه، وبين “المؤدي” الذي يقتات على وهم المعرفة. إن صناعة الوعي معركة وعي في المقام الأول، ولا مكان فيها لمن يتقنون فن “الكأن”.تحت إشراف:رئيس مجلس الإدارة: د/ علي صقر ومدير التحرير: المهندس محمود توفيق
