“نوتوهارا” يفكك شيفرة الواقع العربي ويبحث عن سر النهضة الضائع بقلم: هيام عليمن المعتاد أن تنقل الأقلام العربية انطباعاتها عن “كوكب اليابان” المذهل، لكن هذه المرة تأتي الرؤية من الاتجاه المعاكس. يقدم لنا المواطن والكاتب الياباني “نوبوأكي نوتوهارا” خلاصة 40 عاماً من المعايشة العميقة في البلدان العربية، متنقلاً بين حواضرها وبواديها، ليضع بين أيدينا مرآة يابانية تعكس تفاصيل الشخصية العربية والواقع المعاش بكل حيادية وصراحة.من تحت رماد طوكيو إلى قلب المدن العربيةيروي نوتوهارا في كتابه “العرب: وجهة نظر يابانية” كيف تشكل وعيه منذ الطفولة؛ فقد كان في عامه الخامس حين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وشاهد يابانًا مهزومة ومحطمة بالكامل. من وسط الجوع والحرمان في طوكيو المدمرة، شهد عملية “إعادة البناء” والنهوض الاقتصادي القائم على تصحيح الأخطاء الذاتية.عندما وصل إلى العالم العربي في الثلاثين من عمره، صُدم بالواقع؛ فبينما يقدس اليابانيون “الحقائق الملموسة”، وجد العربي يستمد أفكاره من خيالات وأمجاد الماضي البعيد. يطرح الكاتب سؤالاً جوهرياً: “لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم؟ ولماذا يكررون الأخطاء نفسها بينما استغرق تصحيح مسار اليابان سنوات من النقد الذاتي القاسي؟”أزمة الانتماء وتآكل استقلالية الفرديرى نوتوهارا أن غياب العدالة الاجتماعية هو المحرك الأساسي لحالة “الحزن الصامت” التي لاحظها في عيون الناس بالشوارع العربية. ويشير إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة، وهي طغيان “الانتماء للجماعة” على حساب “الانتماء للوطن”.هذا الذوبان للفرد داخل الجماعة المطيعة أدى -حسب رؤيته- إلى:غياب المسؤولية تجاه العام: تدمير المرافق العامة والنهوض بالخاص فقط.تهميش الموهوبين: التضحية بالمبدعين لصالح ثقافة القطيع.انهيار مفهوم المواطنة: حيث يصبح الفرد مجرد رقم في جماعة لا صوتاً مستقلاً.سر المعجزة اليابانية: الضمير قبل الرقابةيستشهد الكاتب بقصة للأديب المصري يوسف إدريس، الذي اكتشف سر نهضة اليابان في منتصف الليل؛ حين رأى عاملاً يابانياً يعمل بمفرده وبجدية تامة دون وجود أي رقيب. استنتج إدريس ونوتوهارا معاً أن التقدم ليس تكنولوجيا مستوردة، بل هو “شعور بالمسؤولية نابع من الداخل”، وهو ما يفتقده الواقع العربي الذي يربط العمل بالرقابة والقسر.التناقض بين التدين والسلوك العامبصراحة يابانية معهودة، يتحدث الكاتب عن التناقض بين المظهر والجوهر في المجتمعات العربية. يندهش الياباني من إنسان يظهر الورع والتدين، ومع ذلك يرتشي، يفسد، ولا يتقن عمله. يرى نوتوهارا أن المشكلة تكمن في كيفية تعليم الدين؛ حيث يتم التركيز على الطاعة والشكل، بينما تغيب قيم “المسؤولية، النقد الذاتي، واحترام حقوق الآخرين”.الفساد والموظف “الدنيء”يصف نوتوهارا بعض الممارسات البيروقراطية بـ “الدناءة”، حيث يتحول الموظف من خادم للشعب إلى معطل لمصالحه، يبحث عن الرشوة والمحسوبية. ويشير إلى “الصمت المتواطئ” الذي يمارسه المجتمع تجاه الفاسدين، معتبراً أن غياب العقاب والمساواة أمام القانون هو ما يجعل الفساد داءً عضالاً يلتهم خيرات الأمة.رؤية للمستقبل: هل من مخرج؟يختتم نوتوهارا رؤيته بالتأكيد على أن الثقة لا تُستورد بل تُزرع، وأن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية. يدعو العرب إلى:ممارسة النقد الذاتي بقوة ودون مجاملة.إعلاء قيمة المساواة والعدل لضمان فاعلية الفرد.التخلص من “وهم امتلاك العلم” والبدء بالتعلم من تجارب الآخرين بجدية.إن صرخة نوتوهارا ليست للنقد من أجل النقد، بل هي دعوة لمواجهة الأخطاء بشكل حاسم قبل أن تنتهي الحياة دون هدف حقيقي.المراجع:كتاب “العرب: وجهة نظر يابانية” – المؤلف: نوبوأكي نوتوهارا.