بقلم: سلمى مصطفى أبو سنة (المحامية بالجنايات)تتصدر قضايا المواد المخدرة أروقة المحاكم الجنائية. تعتبر هذه القضايا واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الأمن القومي. كما تمثل تهديدًا للسلم المجتمعي. وبينما يضرب المشرّع بيد من حديد لمواجهة هذه الظاهرة، تظل “المحاكمة العادلة” هي السياج الذي يحمي الأفراد من شطط الإجراءات. في هذا التقرير القانوني، نغوص في كواليس هذه القضايا لنكشف الفارق بين الإدانة والبراءة.أركان الجريمة..
هل يكفي “الضبط” للإدانة؟ قانونياً، لا تقبل جريمة المخدرات التأويل. فهي ترتكز على دعامتين. الركن المادي: يشمل الحيازة، الإحراز، الجلب، أو الاتجار. الركن المعنوي (القصد الجنائي): وهنا تكمن الجوهر، إذ يجب إثبات علم المتهم اليقيني بطبيعة المادة المخدرة. فليس كل من وُجد بجواره مخدر هو “جاني” بالضرورة، ما لم تنصرف إرادته للتعامل معه.تعاطي أم اتجار؟.. شعرة فاصلة بيد القضاءيضع القانون المصري تفرقة حاسمة في العقوبة بين “المتعاطي” و”التاجر”. وتستند المحكمة في تحديد وجهة المتهم إلى قرائن مادية بحتة. تشمل هذه القرائن الكمية المضبوطة. هل تتناسب مع الاستهلاك الشخصي أم التوزيع؟ هناك أيضًا أدوات الجريمة مثل وجود موازين حساسة. تشمل أيضًا أدوات تقسيم وتغليف. تحريات المباحث: التي ترسم صورة كاملة لنشاط المتهم قبل لحظة الضبط. مبدأ قانوني: تقدير القصد هو مسألة موضوعية. المحكمة تمتلك السلطة في تقديره. يجب أن يكون استخلاصها منطقياً وله أصل ثابت في أوراق القضية. بطلان الإجراءات..
حينما يسقط الدليل رغم جسامة الجرم، إلا أن القانون لم يترك سلطات الضبط بلا رقابة. فالدستور والقانون كفلا حرمة الأشخاص والمساكن، ومن هنا تظهر أهمية “مشروعية الدليل”.يتحقق البراءة في الكثير من القضايا إذا ما ثبت:بطلان القبض والتفتيش لعدم وجود حالة “تلبس” حقيقية.صدور إذن النيابة بناءً على تحريات غير جدية أو “مكتبية”.التجاوز في تنفيذ إذن النيابة من حيث الزمان أو المكان.وهنا نطبق القاعدة الذهبية: “ما بُني على باطل فهو باطل”؛ فإذا بطل الإجراء، بطل الدليل المستمد منه مهما كانت قوته.معركة الدفاع.. البحث عن “اليقين” وسط الشكوكفي قاعات الجنايات، يخوض الدفاع معركة دقيقة قوامها التشكيك في رواية الاتهام. ويرتكز دور المحامي الجنائي على:الدفع بانتفاء القصد الجنائي وكيدية الاتهام.منازعة الدليل الفني (تقرير المعمل الكيماوي) وسلامة العينة المضبوطة.التأكيد على مبدأ أن “الشك يُفسر دائماً لمصلحة المتهم”
.كلمة أخيرةإن قضايا المخدرات ليست مجرد محاضر ورقية. بل هي صراع بين حق المجتمع في التطهير وحق الفرد في إجراءات قانونية نزيهة. فسيادة القانون لا تكتمل إلا بضمان أن العقوبة لا تنال إلا من ثبتت إدانته بيقين لا يخالطه شك. ذلك لأن براءة مئة مُخطئ خير من إدانة بريء واحد.تحريراً في: 27 ديسمبر 2025قسم الشؤون القانونية – جريدة أخبار مصر والأمة العربية
