بقلم م/ سعد محمد العقبي في ظل إقليم يموج بالاضطرابات وتحولات جيوسياسية أعادت تشكيل خارطة النفوذ لم يكن تحرك الدولة المصرية نحو تعزيز قدراتها العسكرية مجرد استجابة لحظية بل كان نتاج قراءة استراتيجية مبكرة أدركت أن المنطقة مقبلة على عقد من المخاطر ومع تآكل مؤسسات دول الجوار وصعود الفاعلين من غير الدول (الميليشيات) تبنت القاهرة مفهوم القوة الشاملة وهو المسار الذي زاوج بين الردع العسكري والتنمية المستدامة كجناحين لا ينفصلان لحماية الأمن القومي.✓ من المواجهة إلى الاستباق استراتيجية تجفيف المنبععقب عام 2011 واجهت الدولة المصرية اختبارا قاسيا تمثل في محاولات اختراق سيادتها عبر الإرهاب العابر للحدود خاصة في شبه جزيرة سيناء. لم تكتفِ الأجهزة الأمنية بالدفاع بل انتقلت إلى الهجوم عبر استراتيجية تفكيك الشبكات والتي بلغت ذروتها في العملية الشاملة سيناء 2018.هذه المحطة لم تكن عسكرية فحسب بل كانت نقطة تحول أثبتت فيها مصر قدرتها على استعادة السيطرة العملياتية وتطهير البؤر المسلحة بالتوازي مع إطلاق مشروع تنموي ضخم في سيناء يعالج الجذور الاجتماعية للتطرف إيمانا بأن الرصاصة تحمي الحدود والتنمية تحصن العقول.✓ عقيدة تعدد الاتجاهات حماية المصالح الحيويةأدركت القيادة السياسية أن التهديدات لم تعد تقتصر على الداخل فعدم الاستقرار في ليبيا فرض تحديا على الحدود الغربية بينما استوجبت اكتشافات الغاز في شرق المتوسط وبناء القواعد العسكرية في البحر الأحمر حماية للمصالح الاقتصادية والملاحة الدولية.بناء عليه انتهجت مصر سياسة تنوع مصادر السلاح لضمان استقلال القرار الوطني فدخلت الخدمة منظومات قتالية غيرت موازين القوى الإقليمية أبرزها – مقاتلات الرافال لضمان التفوق الجوي والقدرة على الوصول لمديات بعيدة. – حاملات المروحيات ميسترال التي نقلت البحرية المصرية من بحرية سواحل إلى بحرية أعالي بحار. – الغواصات والفرقاطات الحديثة لتعزيز قدرات الردع البحري وحماية حقول الطاقة.✓ القواعد الاستراتيجية الأذرع الطويلة للجمهوريةلم يتوقف التحديث عند المعدات بل شمل إعادة صياغة الخارطة العسكرية عبر تدشين قواعد متكاملة المهام في الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة – قاعدة محمد نجيب (الغرب) لتأمين العمق الليبي ومنع التسلل. – قاعدة برنيس (الجنوب الشرقي) لتأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر وصولا لـ باب المندب. – قاعدة 3 يوليو (الشمال الغربي) كحصن جديد على ساحل المتوسط.✓ توطين التصنيع وبناء المقاتل المصريالانتقال من الاستهلاك إلى التصنيع كان الهدف الأسمى حيث توسعت مصر في إنتاج المدرعات المركبات القتالية وأنظمة الاتصالات وصولا إلى بناء السفن الحربية محليا. ويعد معرض EDEX الدولي رسالة واضحة على امتلاك مصر لقاعدة صناعية قادرة على المنافسة.لكن المحرك الحقيقي لهذا العتاد يظل هو الإنسان لذا استثمرت الدولة في تطوير المناهج العسكرية وتكثيف المناورات المشتركة مع كبرى جيوش العالم (مثل تدريبات النجم الساطع) مما صقل المهارات القتالية ووضع الجيش المصري في مراتب متقدمة عالميا وفق تصنيف Global Firepower.✓ قوة تصون ولا تبغيإن تجربة العقد الماضي تلخص فلسفة مصرية واضحة الاستقرار لا يمنح بل ينتزع بقوة الردع. لقد نجحت مصر في بناء درع عسكري حديث يتسم بالمرونة والقدرة على استشراف مخاطر المستقبل مؤكدة أن قوتها هي صمام أمان ليس فقط لحدودها بل لاستقرار المنطقة بأكملها.
