بقلم: المستشار حسن الغنام في حكم قضائي هام يرسخ مبادئ حسن الجوار. يضع الحكم النقاط على الحروف في العلاقة بين الجيران. حسمت محكمة النقض المصرية الجدل حول مسؤولية الجار عن الأضرار. قد يسببها لجاره نتيجة استعماله لحقه القانوني. هذا الحكم يعد مرجعاً هاماً لتحقيق التوازن بين حرية المالك في الانتفاع بملكه وبين حق الجار في السكينة وعدم تضرر ممتلكاته.معيار الضرر “غير المعتاد”أرست محكمة النقض مبدأً قانونياً جوهرياً يقضي بأن مسؤولية الجار عن الأضرار “غير العادية” التي تصيب جاره تقوم بمجرد ثبوت أن هذه الأضرار كانت نتيجة مباشرة لاستعمال الجار لحقه.واللافت في هذا المبدأ، أن المسؤولية لا تقتصر فقط على مالك العقار، بل تمتد لتشمل كل من يستعمل الحق بصفة قانونية، سواء كان:صاحب حق ملكية.منتفعاً بالعقار.مستأجراً.أي حق آخر يقره القانون.المسؤولية قائمة حتى دون “خطأ”تضمن الحكم لفتة قانونية في غاية الأهمية؛ وهي أن هذه المسؤولية تترتب حتى لو كان استعمال الجار لحقه خالياً من أي خطأ أو إهمال. فلا يشترط للقضاء بالتعويض أو إزالة الضرر إثبات أن الجار قد “أساء” استعمال حقه أو تعمد الإضرار بغيره.إنما المعيار الحاكم هنا هو “تجاوز الحد المعتاد”. فإذا ثبت أن الضرر قد تخطى ما يمكن للجار تحمله طبيعياً، وكان الضرر مرتبطاً مباشرة بنشاط الجار، وجبت المسؤولية القانونية فوراً.المادة 807 من القانون المدني: روح حسن الجواريستند هذا التوجه القضائي إلى المادة 807 من القانون المدني، والتي وُضعت خصيصاً لحماية “حسن الجوار”. الهدف من هذه المادة ليس تقييد الحريات، بل خلق توازن دقيق بين حق الشخص في الانتفاع بما يملك، وحق جاره في ألا يُضار ضرراً فاحشاً أو غير مألوف يفسد عليه حق الانتفاع بملكه.تفاصيل الحكم التاريخيجاء هذا التأصيل القانوني الواضح وفقاً لما انتهت إليه محكمة النقض في حكمها الحديث:رقم الطعن: 5833 لسنة 92 ق.تاريخ الجلسة: 24 يونيو 2025. خاتمة: إن هذا الحكم يقطع الطريق على من يتذرع بأن “الإنسان حر في ملكه”. هذه الحرية تقف عند حدود إلحاق الأذى بالآخرين. القضاء المصري سيظل دائماً الحصن الحصين لحماية الحقوق. كما أنه يرسخ قواعد العدالة والمساواة في التعاملات اليومية بين المواطنين.
